وجّه وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، من على منبر المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، رسائل قوية حول عدد من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الدولي، واضعاً ثلاث أولويات في صلب التحرك الدولي، تتمثل في التصدي لخطر الجماعات المسلحة غير الحكومية، ومواجهة تداعيات التغير المناخي، والتعامل مع الأزمات والتحديات الإقليمية، ولا سيما في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وأكد بوريطة، في كلمته التي ألقاها يوم 22 شتنبر 2026، أن تنامي نفوذ الجماعات المسلحة غير الحكومية بات يشكل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الدوليين، بعدما تجاوز نشاطها المجالات التقليدية وأصبحت تسعى إلى التحكم في الممرات البحرية والمضائق، وتهديد حرية الملاحة، واستهداف منشآت في عدد من الدول.
وأشار الوزير المغربي إلى أن أكثر من مليون شخص يعيشون في مناطق تخضع لسيطرة جماعات مسلحة أو تشهد تنازعاً على السيطرة، داعياً المجتمع الدولي إلى اعتماد مقاربة أكثر حزماً من خلال فرض عقوبات رادعة على هذه الجماعات ورعاتها، ومساءلة كل من يمدها بالدعم أو التمويل أو التسليح.
وفي الملف المناخي، شدد بوريطة على أن الحفاظ على السلام وتحقيق التنمية المستدامة يظلان مرتبطين بمدى قدرة المجتمع الدولي على التصدي بفعالية لتغير المناخ، مبرزاً أن المغرب يوجد ضمن البلدان الأكثر عرضة لتداعيات هذه الظاهرة، رغم مساهمته المحدودة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وفي هذا السياق، استعرض الوزير المغربي السياسة الاستباقية التي اعتمدها الملك محمد السادس لمواجهة الإجهاد المائي والتغيرات المناخية، والتي تشمل تشييد السدود، وربط الأحواض المائية، وتوسيع مشاريع تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، إلى جانب ترشيد وتحديث تدبير الموارد المائية.
وبخصوص الوضع في الشرق الأوسط، جدد بوريطة التأكيد على ثوابت الموقف المغربي، موضحاً أن المغرب يؤمن بأن إرساء سلام دائم ومستدام في المنطقة يمر عبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة على حدود 4 يونيو 1967، عاصمتها القدس الشرقية، تعيش إلى جانب دولة إسرائيل في أمن وسلام.
وفي هذا الإطار، أعلن بوريطة أن المغرب قرر المشاركة في القوة الدولية لتحقيق الاستقرار في غزة، والمساهمة في توفير شروط السلم والأمن بالمنطقة عبر مبادرات إنسانية وأمنية، تشمل المساهمة في تدريب الشرطة الفلسطينية، ونشر ضباط عسكريين رفيعي المستوى ضمن قوات الأمن الداخلي، وإقامة مستشفى ميداني، فضلاً عن استعداد المملكة لقيادة برامج لمكافحة التطرف.
كما عبّر الوزير المغربي عن قلق المملكة إزاء التطورات التي تشهدها الضفة الغربية، خصوصاً ما يتعلق بتمرير قوانين تمس الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية وتفتح المجال أمام الاستيلاء عليها بهدف توسيع الاستيطان، إلى جانب ما وصفه بالعنف المنهجي الذي يمارسه مستوطنون ضد المواطنين الفلسطينيين.
وسجل بوريطة كذلك القلق العميق للمغرب إزاء الإجراءات الإسرائيلية الأحادية والانتهاكات المتكررة لحرمة المسجد الأقصى، معتبراً أنها تجاوزات خطيرة من شأنها تغذية خطاب التطرف والكراهية.
وفي هذا السياق، أبرز بوريطة الدور الذي يواصل الملك محمد السادس الاضطلاع به، بصفته رئيساً للجنة القدس، من أجل الحفاظ على الهوية التاريخية والثقافية والروحية للمدينة المقدسة، وصون وضعها القانوني، والعمل على تحسين الظروف المعيشية للمقدسيين.
وعلى صعيد قضية الصحراء المغربية، توقف الوزير المغربي عند القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في أكتوبر 2025، والذي دعا الأطراف إلى الشروع في مناقشات دون شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي تقبله الأطراف ويكفل لشعب الصحراء الغربية تقرير مصيره، مع الإقرار بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل حلاً من الحلول الأكثر قابلية للتطبيق، وتشجيع الأطراف على تقديم أفكار من شأنها دعم التوصل إلى حل نهائي.
وأكد بوريطة أن اعتماد القرار الأممي شكل نقطة تحول في مسار هذا النزاع الإقليمي، قائلاً إن القضية، منذ ذلك التاريخ، “اتخذت مساراً لا رجعة فيه للقطيعة مع الماضي والتطلع نحو المستقبل من أجل تسويتها النهائية”.
وأوضح أن هذا المسار يستند إلى مبادئ حددها مجلس الأمن، وفي مقدمتها أن الحل لا يمكن أن يكون خارج إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بما يعكس، وفق المقاربة التي عرضها رئيس الدبلوماسية المغربية، انتقال الملف إلى مرحلة جديدة قوامها الواقعية والبراغماتية والبحث عن تسوية سياسية نهائية.
وتأتي مداخلة بوريطة في وقت تتواصل فيه الدينامية الدبلوماسية المغربية على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث عبرت دول عدة خلال لقاءات مع المسؤولين المغاربة عن دعمها للوحدة الترابية للمملكة ولمقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً لتسوية سياسية للنزاع الإقليمي.
وبذلك، حملت كلمة المغرب في الأمم المتحدة رؤية متكاملة تجمع بين الدفاع عن الأمن والاستقرار الدوليين، ومواجهة التغير المناخي، ودعم الحلول السياسية للأزمات الإقليمية، مع التشديد على انخراط المملكة في المبادرات الإنسانية والأمنية الدولية، وتمسكها في الوقت نفسه بمسار التسوية السياسية لقضية الصحراء المغربية على أساس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.





