حزب “الأحرار.. خسارة معركة المواقع ورقصة الديك المذبوح

جسر بريسمنذ 41 دقيقةآخر تحديث :
حزب “الأحرار.. خسارة معركة المواقع ورقصة الديك المذبوح

لا يمكن قراءة البلاغ الأخير لحزب التجمع الوطني للأحرار بشأن ما سماه «الاستقطاب السياسي» بمعزل عن السياق الانتخابي والسياسي الذي صدر فيه. فالمواقف السياسية لا تُقاس فقط بما تقوله من عبارات عن المبادئ، وإنما أيضاً بمدى انسجامها مع الممارسة والتاريخ السياسي لأصحابها.

وحين يصبح حزب بنى جانباً من قوته السياسية والانتخابية على استقطاب المنتخبين والأعيان والكفاءات، ثم يجد نفسه اليوم يشتكي من الظاهرة نفسها عندما تتحرك في اتجاه منافسين سياسيين، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل نحن أمام دفاع مبدئي عن أخلاقيات العمل السياسي، أم أمام دفاع عن مواقع انتخابية بدأت تشعر بالتهديد؟

عندما تتغير زاوية الاستقطاب

المبدأ السياسي الحقيقي لا يتغير بتغير المستفيد منه. فإذا كان استقطاب المنتخبين والمرشحين ممارسة تضر بالحياة الحزبية، فهي كذلك سواء قام بها هذا الحزب أو ذاك. أما أن يصبح الأمر «انفتاحاً على الكفاءات» عندما يخدم مصالح الحزب، ثم يتحول إلى «ترحال سياسي» أو «استقطاب غير أخلاقي» عندما يستفيد منه المنافسون، فهنا نكون أمام معركة مواقع أكثر من كونها معركة مبادئ.

وهذه هي المفارقة الأساسية في الخطاب الأخير للتجمع الوطني للأحرار؛ إذ يبدو أن الحزب لا يناقش الظاهرة من زاوية إصلاح الحياة السياسية بشكل شامل، بقدر ما يتعامل معها من موقع المتضرر من بعض التحولات التي تعرفها الخريطة الانتخابية.

والحال أن التجمع الوطني للأحرار ارتبط تاريخياً منذ تأسيسه في نهاية سبعينيات القرن الماضي بتجربة سياسية قائمة على تجميع المنتخبين المستقلين، قبل أن يتحول تدريجياً إلى أحد أبرز الأحزاب في المشهد السياسي المغربي.

لذلك، فإن تقديم الحزب نفسه اليوم باعتباره حارساً لنقاء الانتماء الحزبي يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مفهوم الاستقطاب نفسه، وحول الحدود الفاصلة بين الانفتاح السياسي المشروع وبين استقطاب النخب لأهداف انتخابية.

من «الانفتاح على الكفاءات» إلى «الترحال السياسي»

لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن انتقال السياسيين بين الأحزاب أو تبريره، بل بضرورة اعتماد معيار واحد في تقييم الظاهرة.

فانتقال سياسي من حزب إلى آخر قد يكون أحياناً نتيجة خلاف في الرؤية أو الموقف أو طريقة تدبير التنظيم، وقد يكون أحياناً أخرى مجرد حساب انتخابي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتم اعتماد معيارين مختلفين: واحد عندما يدخل المنتخب أو المرشح إلى صفوف الحزب، وآخر عندما يقرر مغادرته.

كما أن التجمع الوطني للأحرار استفاد، خلال مراحل مختلفة من مساره، من حضور شخصيات تكنوقراطية وكفاءات ورجال أعمال وشخصيات لم تكن بالضرورة نتاج مسار تنظيمي حزبي كلاسيكي طويل، وهو أمر لا يشكل في حد ذاته عيباً سياسياً، لأن الأحزاب الحديثة تحتاج إلى الانفتاح على الكفاءات.

لكن إذا كان الانفتاح على الكفاءات مشروعاً عندما يقوي الحزب، فلماذا يصبح استقطاب المنافسين جريمة سياسية عندما يضعف صفوفه؟

القلق الانتخابي خلف لغة المبادئ

الأكثر دلالة في البلاغ الأخير هو توقيته. فكلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، أصبحت حركة المنتخبين والمرشحين أكثر حساسية، وتحولت الانتقالات السياسية من مجرد حالات فردية إلى مؤشرات على اتجاهات محتملة في الخريطة الانتخابية.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم نبرة القلق التي حملها خطاب الحزب، خصوصاً في ظل انتقال عدد من الأسماء والمنتخبين بين التنظيمات السياسية.

فالحزب الواثق من قوته التنظيمية وقدرته على الحفاظ على مواقعه لا يفترض أن ينظر إلى كل انتقال سياسي باعتباره تهديداً وجودياً. أما عندما يتحول انتقال بعض المنتخبين إلى قضية مركزية في الخطاب السياسي، فإن ذلك قد يعكس، ولو جزئياً، خشية من أن تؤثر هذه التحولات على نتائج الاستحقاقات المقبلة.

والتجمع الوطني للأحرار راكم خلال السنوات الماضية حضوراً انتخابياً قوياً، لكنه لم يبن هذا الحضور حصراً على العمل التنظيمي الداخلي، بل استفاد أيضاً من شبكة واسعة من المنتخبين والأعيان والكفاءات والوافدين من تجارب سياسية مختلفة.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح: من استفاد من حركة النخب السياسية لا يستطيع المطالبة بتغيير قواعد اللعبة فقط عندما تبدأ تلك الحركة في الاتجاه المعاكس.

إذا كان الإصلاح مطلوباً.. فليكن للجميع

إذا كان الهدف الحقيقي هو تخليق الحياة السياسية، ومحاربة الترحال، وضبط شروط التزكية، وربط المسؤولية الانتخابية بالالتزام الحزبي، فذلك مطلب مشروع ويستحق نقاشاً وطنياً صريحاً.

لكن هذا الإصلاح لا يمكن أن يكون انتقائياً.

يجب أن تكون القاعدة واحدة على الجميع، وأن يُنظر إلى انتقال المنتخب من حزب إلى آخر بالمعيار نفسه، بصرف النظر عن اسم الحزب المستفيد أو المتضرر.

أما أن يكون الاستقطاب فضيلة عندما يدخل الأشخاص إلى صفوف الحزب، ورذيلة عندما يخرجون منها، فذلك لا يبدو إصلاحاً للممارسة السياسية بقدر ما يشبه محاولة لإغلاق الباب بعدما غادره بعض الضيوف.

معركة المواقع قبل معركة المبادئ

لهذا، فإن البلاغ الأخير للتجمع الوطني للأحرار قد يُقرأ باعتباره مؤشراً على اشتداد المنافسة داخل الخريطة السياسية أكثر مما يُقرأ باعتباره إعلاناً عن معركة مبدئية حول أخلاقيات العمل الحزبي.

فالانتخابات المقبلة لن تكون فقط سباقاً حول البرامج والشعارات، وإنما ستكون أيضاً معركة حول المواقع والنفوذ والقدرة على الحفاظ على شبكات المنتخبين والمرشحين.

وفي هذا السياق، يصبح انتقال اسم هنا أو منتخب هناك أكثر من مجرد تغيير للانتماء الحزبي؛ إنه قد يكون مؤشراً على إعادة ترتيب موازين القوى محلياً ووطنياً.

وقد يكون القلق الحقيقي بالنسبة إلى قيادة التجمع الوطني للأحرار ليس من «الاستقطاب» في حد ذاته، وإنما من احتمال أن تتحول الأدوات التي ساهمت في صعود الحزب إلى أدوات يستعملها المنافسون لإعادة رسم الخريطة السياسية.

رقصة الديك المذبوح؟

في السياسة، لا تكفي كثرة الحركة لإثبات القوة. أحياناً يكون الضجيج نفسه مؤشراً على حجم القلق.

ولهذا، فإن استمرار الحزب في مهاجمة الأدوات نفسها التي ساهمت في صعوده قد يجعل خطابه أقرب إلى محاولة دفاع عن مواقع انتخابية مهددة منه إلى إعلان ثقة مطلقة بالنفس.

والأكثر مفارقة أن الحزب الذي استفاد لسنوات من استقطاب الأعيان والمنتخبين والكفاءات، يجد نفسه اليوم أمام احتمال معاكس: أن تنتقل بعض الأسماء من صفوفه إلى منافسين، وأن تتحول المعركة من توسيع النفوذ إلى الدفاع عنه.

وهنا تحديداً يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام بداية إعادة ترتيب للخريطة السياسية، أم مجرد جولة عابرة في سوق الانتقالات الانتخابية؟

وحده الصندوق سيجيب.

أما قبل ذلك، فإن كثرة البلاغات والاحتجاجات لن تغير حقيقة واحدة: في السياسة، من يملك القدرة على الحفاظ على مواقعه لا يحتاج إلى الصراخ كثيراً بشأن من يهددها.

وإذا كانت «رقصة الديك المذبوح» مجرد استعارة سياسية، فإن الانتخابات وحدها هي التي ستحدد في النهاية من كان يرقص احتفالاً بالقوة، ومن كان يرقص خوفاً من النهاية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة