في خضم التوتر السياسي الذي أعقب أحداث سبتة، وعاد معه ملف العلاقات المغربية الإسبانية إلى واجهة النقاش، تبدو المصالح الاقتصادية المتشابكة بين الرباط ومدريد عاملاً أساسياً يجعل أي أزمة بين البلدين تتجاوز حدود الخلاف الدبلوماسي الظرفي.
فإسبانيا تُعد الشريك التجاري الأول للمغرب، بحجم مبادلات يتجاوز 22.5 مليار يورو سنوياً، فيما تستقر بالمملكة أكثر من 350 شركة إسبانية، ويقارب رصيد الاستثمارات الإسبانية بالمغرب ملياري يورو، وفق معطيات صادرة عن وزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية.
غير أن بين الملفات الاقتصادية المشتركة ملفاً ظل معلقاً منذ ثلاث سنوات، ويتعلق باتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، الذي كانت إسبانيا المستفيد الأوروبي الأكبر منه.
اتفاق متوقف منذ يوليوز 2023
من أصل 128 رخصة للصيد أتاحها البروتوكول السابق، استفاد الأسطول الإسباني من 92 رخصة، أي ما يقارب 72 في المائة من مجموع الرخص. غير أن الاستخدام الفعلي لهذه الإمكانيات ظل أقل بكثير من السقف المتاح، إذ تشير الحكومة الإسبانية إلى أن 21 سفينة فقط تقدمت بطلبات للحصول على تراخيص خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2023، بينما استوفت 11 سفينة شروط الاستفادة من تعويضات التوقف عقب انتهاء البروتوكول.
وانتهى آخر بروتوكول تنفيذي في 17 يوليوز 2023، ومنذ ذلك التاريخ أصبح الاتفاق، وفق التصنيف الأوروبي، في وضعية “الخمول”. وبذلك ظلت الشراكة القانونية قائمة، لكن غياب بروتوكول تنفيذي جديد حال دون عودة الأسطول الأوروبي إلى الصيد في المياه المغربية.
غير أن بروكسيل تبدو اليوم أكثر استعداداً لإخراج الملف من حالة الجمود.
بروكسيل تتحرك لإحياء المفاوضات
المعطيات المرتبطة باجتماعات مؤسسات الاتحاد الأوروبي تشير إلى أن النقاش لم يعد مقتصراً على الدعوة السياسية إلى استئناف الحوار، بل انتقل إلى إعداد قرار يسمح بفتح مفاوضات مع المغرب بشأن اتفاق جديد للشراكة في مجال الصيد المستدام، إلى جانب بروتوكول تنفيذي جديد.
ويمنح مشروع القرار المفوضية الأوروبية صلاحية فتح المفاوضات والتفاوض باسم الاتحاد، بالتنسيق مع مجموعة العمل التابعة لمجلس الاتحاد الأوروبي والمكلفة بسياسة الصيد.
كما يأتي التحرك الأوروبي في سياق قانوني معقد، خصوصاً بعد حكم محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي الصادر في 4 أكتوبر 2024، والذي ألغى قرار المجلس المتعلق باتفاق الصيد المبرم سنة 2019.
وهنا تحديداً تعود قضية الصحراء المغربية إلى قلب المعادلة.
الصحراء.. العقدة السياسية في الاتفاق
لم يكن اتفاق الصيد بالنسبة إلى الرباط مجرد إطار اقتصادي لتبادل المنافع، بل حمل في مرحلة سابقة قيمة سياسية ودبلوماسية، بالنظر إلى شموله المياه المحاذية للأقاليم الجنوبية للمملكة.
في المقابل، حاول الاتحاد الأوروبي صياغة مواقفه القانونية والسياسية بطريقة لا تُفهم باعتبارها اعترافاً بالسيادة المغربية على الصحراء، وهو ما ساهم في تعقيد الوضع القانوني للاتفاق وأصبح لاحقاً أساساً للنزاع أمام القضاء الأوروبي.
لكن البيئة السياسية والدبلوماسية تغيرت بشكل واضح مقارنة بالمرحلة التي جرى خلالها التفاوض على اتفاق 2019.
فالاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، والتطور المتواصل في مواقف عدد من الدول، إلى جانب التحولات التي عرفها النقاش الأممي حول مقترح الحكم الذاتي، كلها عوامل جعلت الرباط تتحرك من موقع مختلف عما كانت عليه قبل سنوات.
وبالتالي، لم يعد الاتفاق القطاعي للصيد يحمل بالنسبة إلى المغرب القيمة السياسية نفسها التي كان يمثلها في السابق.
المغرب لم يعد رهيناً بشريك واحد
اقتصادياً، لا يبدو المغرب مضطراً إلى التعامل مع الاتحاد الأوروبي باعتباره الخيار الوحيد في مجال التعاون البحري.
فقد وقع المغرب وروسيا في أكتوبر 2025 اتفاقاً جديداً للتعاون في مجال الصيد البحري، كما يعمل المغرب على توسيع شبكة شراكاته الاقتصادية والتجارية مع قوى دولية وآسيوية، في إطار سياسة تقوم على تنويع الشركاء والأسواق.
كما أن الحضور الصيني في قطاع الصيد بالمياه المغربية يعكس بدوره تحولاً في طبيعة الشراكات الممكنة، بعيداً عن النموذج التقليدي الذي كان يقوم على منح تراخيص مباشرة لأساطيل أجنبية.
وهذا التنويع يمنح الرباط هامشاً أوسع في التفاوض، ويقلل من الحاجة إلى استعجال إعادة تفعيل اتفاق بشروط قديمة.
ورقة مالية مهمة.. لكنها ليست حاسمة
كان البروتوكول السابق يوفر للمغرب مقابلاً مالياً إجمالياً يقارب 208 ملايين يورو على مدى أربع سنوات، مقابل فرص الصيد ودعم تنمية القطاع.
ولا شك أن هذا المبلغ يمثل مورداً مهماً، لكنه لا يبدو كافياً لجعل المغرب في وضع اقتصادي يفرض عليه القبول بإعادة الاتفاق وفق الصيغة السابقة، خصوصاً في ظل تعدد الخيارات الاستثمارية والتجارية المتاحة أمام المملكة.
ومن هنا يمكن فهم استمرار الاتفاق في حالة “الخمول” باعتباره ليس بالضرورة نتيجة عجز عن التوصل إلى صيغة جديدة، بل قد يكون أيضاً خياراً تفاوضياً يسمح للرباط بالاحتفاظ بالملف إلى حين توفر شروط أكثر ملاءمة.
إسبانيا.. الحاجة أكبر إلى الاتفاق
المفارقة أن الطرف الأوروبي الأكثر استفادة من الاتفاق تاريخياً هو نفسه الطرف الذي تبدو حاجته إلى عودته أكثر وضوحاً.
فالأسطول الإسباني كان المستفيد الأكبر من الرخص، كما أن عدداً من الموانئ والأنشطة الاقتصادية في الأندلس وجزر الكناري ارتبطت بهذا النشاط.
وبالتالي، فإن عودة الاتفاق لا تعني فقط استئناف علاقة مؤسساتية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وإنما تحمل أيضاً أثراً مباشراً على مصالح اقتصادية إسبانية، وهو ما يجعل مدريد معنية أكثر من غيرها بإيجاد صيغة تسمح بتجاوز العوائق القانونية والسياسية.
من ورقة سياسية إلى ورقة تفاوضية
التحول الأهم في المشهد يتمثل في أن المغرب لم يعد ينظر بالضرورة إلى اتفاق الصيد باعتباره أداة لإثبات موقف سياسي سبق أن خاض من أجله معارك قانونية ودبلوماسية داخل المؤسسات الأوروبية.
اليوم، يمكن للرباط أن تتعامل مع الملف باعتباره ورقة تفاوضية واقتصادية، وأن تربط أي اتفاق جديد بشروط أكثر انسجاماً مع مصالحها الوطنية ومع التطورات التي عرفها ملف الصحراء.
وبذلك، فإن استمرار الاتفاق في حالة الخمول قد يكون بالنسبة إلى المغرب وضعاً مريحاً أكثر مما يبدو للوهلة الأولى؛ فهو لا يغلق الباب أمام أوروبا، لكنه في الوقت نفسه لا يمنحها امتياز العودة إلى الصيغة السابقة دون إعادة تفاوض.
ما بعد سبتة.. المصالح تتحدث بلغة أخرى
أحداث سبتة أعادت إلى الواجهة هشاشة بعض جوانب العلاقة المغربية الإسبانية، لكنها في الوقت نفسه كشفت حجم الترابط الاقتصادي بين البلدين.
فالتوتر السياسي يمكن أن يرفع منسوب الخطاب المتبادل، لكن المصالح التجارية والاستثمارية والبحرية تفرض في النهاية منطقاً أكثر براغماتية.
وفي هذا السياق، قد يتحول اتفاق الصيد البحري، الخامل منذ يوليوز 2023، إلى أحد أبرز الملفات التي ستختبر قدرة الرباط ومدريد وبروكسيل على الفصل بين الخلافات السياسية والمصالح الاقتصادية.
وبينما تحتاج أوروبا، وخصوصاً إسبانيا، إلى استعادة امتيازات الصيد في المياه المغربية، يبدو المغرب أقل استعجالاً للعودة إلى الاتفاق بالشروط القديمة، وأكثر ميلاً إلى انتظار صيغة جديدة تعكس التحولات التي عرفها موقعه الاقتصادي والدبلوماسي.
وهكذا، فإن ما بعد أزمة سبتة لا يُقاس فقط بما يُقال في التصريحات السياسية، بل أيضاً بما يجري خلف الكواليس من مفاوضات حول ملفات اقتصادية مؤجلة. واتفاق الصيد البحري قد يكون أحد أهم هذه الملفات، ليس لأنه يمثل مجرد اتفاق تجاري، وإنما لأنه أصبح مرآة تعكس تغير موازين المصالح بين الرباط ومدريد وبروكسيل.





