يتواصل الجدل السياسي حول طريقة تدبير النقاش العمومي، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى بعض الوجوه السياسية، مقابل لجوء أطراف إلى الحديث عن «التشويه» وضرورة تقديم «الحجة والدليل».
غير أن هذا النقاش يفتح الباب أمام سؤال أكثر جوهرية: أين هو برنامج العمل؟ وأين هي الحصيلة التي يمكن تقديمها للرأي العام؟
فالحديث عن الحجة والدليل لا ينبغي أن يكون موجهاً فقط إلى المنتقدين، وإنما يفترض أن يشمل أيضاً من يوجد في موقع المسؤولية أو يمارس العمل السياسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع وبرامج عمومية يتم تقديمها باعتبارها منجزات أو ثمرة تدخل سياسي.
وفي هذا السياق، فإن الانتقادات التي وُجهت إلى بشرى الوردي يمكن وضعها ضمن النقاش السياسي الطبيعي، ما دامت مرتبطة بالممارسة والأداء والاختيارات السياسية، وليست استهدافاً للحياة الشخصية.
والرد السياسي الطبيعي على الانتقاد لا يكون بالاتهام بالتشويه، وإنما بتقديم المعطيات التي تفند ما ورد فيه، والكشف عن الوثائق والأرقام والوقائع التي توضح الصورة للرأي العام.
من اقترح؟ ومن رافع؟ ومن أنجز؟
ويطرح ملف المشاريع والبرامج سؤالاً أساسياً يتعلق بالمسؤولية السياسية.
فعندما يتم ربط مشاريع تابعة للجهة أو لمؤسسات عمومية بأسماء سياسية، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة هذا الارتباط: هل يتعلق الأمر بمبادرة؟ أم باقتراح؟ أم بمرافعة؟ أم بتتبع؟ أم بمجرد حضور في مرحلة من مراحل تنفيذ المشروع؟
فالتمييز بين هذه المستويات ضروري حتى لا تتحول المشاريع العمومية إلى مادة للدعاية السياسية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
ومن حق المواطن أن يعرف بدقة من اقترح المشروع، ومن دافع عنه، ومن ساهم في إخراجه إلى الوجود، وما حدود المسؤولية السياسية لكل طرف.
المناسبات الاجتماعية ليست بديلاً عن البرنامج
كما يطرح الحضور السياسي المكثف في المناسبات الاجتماعية، بما فيها الجنازات واللقاءات المحلية، نقاشاً آخر حول طبيعة التواصل السياسي.
فالتواصل مع المواطنين يظل جزءاً أساسياً من العمل السياسي، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يكون مرفوقاً ببرنامج واضح ومواقف محددة وحصيلة قابلة للقياس.
ذلك أن العمل السياسي لا يقاس فقط بعدد المناسبات التي يحضرها المسؤول أو المنتخب، وإنما أيضاً بما يقدمه من مبادرات، وما يدافع عنه من ملفات، وما يحققه من نتائج.
الناخب يريد الأرقام لا الشعارات
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن النقاش سيتجه أكثر نحو الحصيلة والبرامج، بعيداً عن المناكفات السياسية.
فالناخب لا يحتاج إلى خطاب عام، بقدر ما يحتاج إلى إجابات دقيقة حول أسئلة بسيطة ومباشرة: ماذا تحقق؟ من اقترح؟ من رافع؟ ما الذي تم إنجازه؟ وما الذي بقي عالقاً؟
ومن هنا، فإن قاعدة النقاش السياسي يفترض أن تكون واضحة: برنامج مقابل برنامج، وحصيلة مقابل حصيلة، ووثيقة مقابل وثيقة.
أما وصف الانتقادات بأنها «تشويه» دون تقديم معطيات مضادة، فلن يكون كافياً لإنهاء النقاش.
وفي المقابل، فإن أي انتقاد لا يستند إلى وقائع أو معطيات قابلة للتحقق يجب بدوره أن يخضع للنقاش والتدقيق.
وبين هذا وذاك، تبقى الكلمة الأخيرة للرأي العام، الذي يملك حق الاطلاع على المعطيات ومقارنة الوعود بالنتائج، والمشاريع بالحصيلة، والخطاب بالممارسة.
فالسياسة في نهاية المطاف ليست معركة شعارات، وإنما مسؤولية وحصيلة ومحاسبة.





