بقلم : سهام العلوي الفيلالي
لم تكن المشاهد التي شهدها محيط معبر سبتة خلال الأيام الأخيرة مجرد أخبار عابرة، بل كانت صورًا تختزل حجم الألم الذي يعيشه عدد من الشباب وهم يخاطرون بحياتهم في سبيل الوصول إلى الضفة الأخرى. فقد تحولت محاولات الهجرة غير النظامية إلى مشاهد مأساوية، امتزج فيها الخوف بالأمل، وانتهى بعضها بفقدان أرواح بريئة في عرض البحر، بينما بقيت أسر كثيرة تعيش على وقع الانتظار والقلق بحثًا عن خبر يطمئنها على مصير أبنائها..
إن هذه المأساة الإنسانية تفرض علينا جميعًا وقفة تأمل عميقة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو التوظيف السياسي، لأن الضحية الأولى في نهاية المطاف هو الإنسان. فالشباب الذين خاطروا بحياتهم لم يكونوا يبحثون عن المغامرة بقدر ما كانوا يبحثون عن فرصة يعتقدون أنها قد تغير واقعهم، حتى وإن كان الثمن مواجهة أمواج البحر أو مخاطر الحدود..
لقد أعادت هذه الأحداث إلى الواجهة قضية الهجرة غير النظامية باعتبارها ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، وتستغلها شبكات تهريب البشر التي تتاجر في أوهام الشباب وتدفعهم إلى سلوك طرق محفوفة بالمخاطر. كما كشفت عن حجم المعاناة التي تعيشها الأسر، وعن الأثر النفسي العميق الذي تتركه مثل هذه المآسي في المجتمع بأسره..
ولا ينبغي أن تتحول الأرقام المتعلقة بالمفقودين أو الضحايا إلى مجرد إحصاءات جامدة، لأن وراء كل رقم قصة إنسان، وأسرة، ومستقبل كان يأمل صاحبه أن يكتبه بطريقة مختلفة. فكل حياة تُفقد في البحر هي خسارة للوطن، وكل أم تنتظر ابنها على أمل عودته تحمل في قلبها وجعًا لا تصفه الكلمات..
إن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على التدابير الأمنية وحدها، بل تستدعي مقاربة شاملة تعالج أسبابها العميقة، من خلال توسيع آفاق التشغيل، وتعزيز الثقة في المستقبل، وتشجيع المبادرات الاقتصادية، وترسيخ ثقافة الوعي بمخاطر الهجرة غير النظامية، إلى جانب التصدي بحزم لشبكات الاتجار بالبشر التي تستغل هشاشة الفئات الأكثر عرضة للمخاطر..
وفي الوقت ذاته، تظل حماية الأرواح وإنقاذ المهاجرين في حالات الخطر واجبًا إنسانيًا وأخلاقيًا، بصرف النظر عن أوضاعهم القانونية، وفقًا للمبادئ الإنسانية والقانون الدولي’
لقد تركت أحداث سبتة جرحًا في الذاكرة الجماعية، ورسالة واضحة مفادها أن اليأس حين يتغلب على الأمل قد يدفع الإنسان إلى المجازفة بأغلى ما يملك، وهي حياته. ومن هنا، فإن المسؤولية مشتركة بين مختلف الفاعلين من أجل بناء واقع يمنح الشباب أسبابًا للبقاء والإنتاج وتحقيق طموحاتهم داخل وطنهم، حتى لا يبقى البحر وجهتهم الأخيرة، ولا تتحول أحلامهم إلى مآسٍ تتكرر مع كل موجة هجرة جديدة.





