تدخل العلاقات المغربية الإسرائيلية مرحلة جديدة بعد الإعلان عن الارتقاء بمستوى التمثيل الدبلوماسي بين الرباط وتل أبيب إلى مستوى السفارات وتعيين سفراء، في خطوة تزامنت مع رعاية أمريكية لاجتماع جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر في نيويورك.
وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي شديد الحساسية، يتسم باستمرار الحرب في غزة، وتصاعد النقاش حول مستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية، بالتزامن مع اقتراب محطة جديدة في تدبير ملف الصحراء داخل مجلس الأمن الدولي.
من مكاتب الاتصال إلى السفارات
ويرى الخبير في العلاقات الدولية أحمد نور الدين أن التطور الأخير لا ينبغي اختزاله في كونه مجرد إجراء بروتوكولي، معتبرا أن الانتقال من مكاتب الاتصال إلى السفارات يمثل مستوى جديدا في مسار العلاقات المغربية الإسرائيلية.
ويشير نور الدين إلى أن اجتماع نيويورك، من حيث الشكل، أثار لديه تساؤلات حول طريقة الإعلان عنه، خصوصا أن المعطيات الأولى بشأنه صدرت من الجانب الأمريكي والإسرائيلي ووسائل الإعلام الدولية.
أما من حيث المضمون، فيرى الخبير أن الأمر يتجاوز مسألة فتح السفارات وتبادل السفراء، ليشمل مجالات اقتصادية واستثمارية، من بينها العمل على اتفاقيات مرتبطة بحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي.
ويطرح هذا الأمر، بحسب نور الدين، أسئلة ذات طبيعة قانونية ومؤسساتية، خصوصا في ما يتعلق بالمسار الدستوري الواجب اتباعه بشأن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
ويستند الخبير في قراءته إلى الفصلين 92 و55 من الدستور المغربي، معتبرا أن الاتفاقيات ذات الطبيعة الاقتصادية والتجارية تستدعي احترام الاختصاصات الدستورية لمجلس الحكومة والبرلمان، بحسب طبيعة كل اتفاق ومضمونه.
القضية الفلسطينية.. اختبار لمسار العلاقات
وفي ما يتعلق بانعكاسات التطورات الإقليمية على العلاقات المغربية الإسرائيلية، يرى أحمد نور الدين أن المسار لن يعرف، في المدى المنظور، تغييرا جوهريا، معتبرا أن المغرب يتعامل مع علاقاته الخارجية ضمن حسابات ترتبط بموازين القوى الإقليمية والدولية وبمصالحه الاستراتيجية.
ويصف الخبير المقاربة المغربية تجاه القضية الفلسطينية بأنها تقوم على ما يسميه “الواقعية السياسية”، من خلال الحفاظ على قنوات التواصل والعلاقات مع إسرائيل، بالتوازي مع استمرار الموقف المغربي المعلن الداعم للحقوق الفلسطينية.
ويؤكد أن تطوير العلاقات مع إسرائيل لا يعني، في قراءته، التخلي عن الموقف المغربي من القضية الفلسطينية، مشيرا إلى استمرار الرباط في دعم حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس.
كما يستحضر الدعم المغربي للفلسطينيين، خصوصا على المستوى الإنساني والطبي، معتبرا أن الرباط اختارت التحرك ضمن هامش سياسي ودبلوماسي يسمح لها بالحفاظ على قدرتها على التأثير والتواصل.
واشنطن.. الطرف الثالث في المعادلة
الحضور الأمريكي في اجتماع نيويورك يكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في رعاية اللقاء بين بوريطة وساعر.
ويرى أحمد نور الدين أن الرعاية الأمريكية تعكس، في نظره، استمرار المسار الذي انطلق مع الإعلان الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي في دجنبر 2020.
وبحسب الخبير، فإن هذه الرعاية تطرح في المقابل سؤالا حول ما إذا كان تطوير العلاقات المغربية الإسرائيلية سيوازيه تقدم أمريكي في الملفات التي تعتبرها الرباط ذات أولوية استراتيجية، وعلى رأسها قضية الصحراء.
ويرى أن الرباط مطالبة بربط مختلف الملفات وعدم التعامل معها بشكل منفصل، خصوصا في ظل الرهان المغربي على الدعم الأمريكي في قضية الصحراء.
الصحراء ومجلس الأمن في قلب الحسابات
ويربط نور الدين التطورات الجديدة بالقرار المرتقب لمجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء، معتبرا أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا لطبيعة التحولات التي يمكن أن تترتب عن التقارب المغربي الأمريكي الإسرائيلي.
ويطرح الخبير ثلاثة مطالب أساسية يرى أنها ينبغي أن تكون حاضرة في النقاش المغربي حول المرحلة المقبلة.
أول هذه المطالب، بحسبه، هو إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “مينورسو”، معتبرا أن مجرد إعادة تحديد مهامها لن يكون كافيا لمعالجة حالة الجمود التي يعرفها الملف.
أما المطلب الثاني، فيتمثل في نقل الملف من مجلس الأمن إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع تحميل الجزائر وجبهة البوليساريو، وفق قراءته، مسؤولية تعثر مسار التسوية.
أما المطلب الثالث، فيرتبط بوضع مخيمات تندوف، حيث يدعو نور الدين إلى معالجة وضع المدنيين وإعادتهم إلى المغرب بعد التحقق من هوياتهم، إلى جانب تفكيك سلاح جبهة البوليساريو تحت إشراف دولي.
وتبقى هذه المقترحات جزءا من قراءة الخبير وتقديره لمسار الملف، ولا تمثل مقررات صادرة عن مجلس الأمن أو اتفاقا معلنا بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل.
مرحلة جديدة أم إعادة ترتيب للعلاقات؟
الانتقال من مكاتب الاتصال إلى السفارات، إلى جانب الحديث عن تعيين السفراء وتوسيع التعاون الاقتصادي، يمثل تحولا مهما في طبيعة العلاقات المغربية الإسرائيلية.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا ترتبط فقط بمستوى التمثيل الدبلوماسي، وإنما أيضا بالسياق الذي جاءت فيه، وبالدور الأمريكي في رعايتها، وبالتزامن مع استمرار الحرب في غزة واقتراب موعد مناقشة ملف الصحراء داخل مجلس الأمن.
وبينما تتجه الرباط وتل أبيب إلى تطوير العلاقات الثنائية، يبقى التحدي بالنسبة إلى المغرب مرتبطا بالحفاظ على توازن دقيق بين علاقاته مع إسرائيل والولايات المتحدة، ومواقفه المعلنة من القضية الفلسطينية، فضلا عن تحويل شبكة علاقاته الدولية إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية في ملف الصحراء.
وعليه، فإن اجتماع نيويورك لا يبدو مجرد محطة لإعلان فتح سفارات وتبادل سفراء، بل حلقة جديدة في مسار بدأ سنة 2020، وتتشابك فيه الحسابات الدبلوماسية والاقتصادية والإقليمية مع الرهانات المغربية المرتبطة بالقضية الفلسطينية وعلاقاته بواشنطن وتل أبيب، وبالخصوص ملف الصحراء الذي يظل في صدارة أولويات السياسة الخارجية المغربية.




