عز الدين السريفي
عاد رئيس الحكومة عزيز أخنوش، من مدينة تيزنيت، إلى لغة البرامج والمشاريع والقدرة على التنفيذ، مؤكداً أن حزب التجمع الوطني للأحرار يتوفر على برنامج قوي، وأنه حزب قادر على تنزيل المشاريع على أرض الواقع. تصريح يأتي في سياق سياسي وانتخابي تتجه فيه الأحزاب إلى تقديم حصيلتها والدفاع عن برامجها واستمالة ثقة الناخبين.
غير أن حديث أخنوش عن «برنامج قوي» يعيد إلى الواجهة سؤالاً لا يمكن تجاوزه: ماذا تحقق من البرنامج والوعود التي قدمها حزب التجمع الوطني للأحرار قبل خمس سنوات؟
فالمغاربة لا يعيشون على البرامج الانتخابية وحدها، وإنما على نتائجها. وعندما يصل حزب إلى رئاسة الحكومة، تصبح الوعود التي قدمها قبل الانتخابات التزاماً سياسياً يخضع للمساءلة، خصوصاً عندما تمر سنوات كافية تسمح بقياس مستوى الإنجاز.
في انتخابات 2021، قدم التجمع الوطني للأحرار وحلفاؤه وعوداً كبيرة، ارتبط بعضها بالتشغيل وتحسين الدخل وتقوية الطبقة الوسطى وتوسيع الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات العمومية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. واليوم، ومع اقتراب نهاية الولاية، يصبح من الطبيعي أن ينتقل النقاش من مرحلة الوعود إلى مرحلة الحصيلة.
وهنا تحديداً تظهر المفارقة بين الخطاب السياسي والانتظارات الاجتماعية.
فالحكومة تتحدث عن أوراش كبرى وإصلاحات غير مسبوقة، وتستحضر في الدفاع عن حصيلتها برامج الحماية الاجتماعية والاستثمارات ومشاريع الماء والبنيات التحتية، بينما لا يزال المواطن يواجه أسئلة يومية مرتبطة بالقدرة الشرائية وفرص الشغل وجودة الخدمات العمومية.
وفي مقدمة هذه الملفات يبرز التشغيل. فقد كان خلق مليون منصب شغل صافٍ خلال خمس سنوات من أبرز الالتزامات التي ارتبطت بالبرنامج الحكومي، غير أن استمرار ارتفاع البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب والنساء، يجعل هذا الملف أحد أبرز مؤشرات تقييم المرحلة.
وهنا لا يتعلق الأمر بإنكار ما تحقق، ولا بتبني رواية سياسية جاهزة، وإنما بطرح سؤال بسيط: هل وصلت النتائج إلى المستوى الذي وعد به المواطنون؟
فالمواطن الذي لا يجد عملاً لن تعنيه كثيراً لغة «الدينامية الاقتصادية» إذا لم تنعكس على حياته، والأسرة التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة تريد أن تعرف أثر السياسات الحكومية على دخلها الفعلي، والشاب الذي ينتظر فرصة عمل يريد نتيجة ملموسة، وليس فقط إعلاناً جديداً عن مشروع أو برنامج.
صحيح أن الحكومة واجهت خلال ولايتها ظروفاً استثنائية، من آثار جائحة كورونا إلى الجفاف وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية والحرب في أوكرانيا وزلزال الحوز، وهي عوامل أثرت على الاقتصاد والمالية العمومية والقدرة على تنفيذ عدد من الالتزامات. لكن هذه الظروف، مهما كانت صعوبتها، لا تلغي حق المواطنين في معرفة ما تحقق فعلاً وما تعذر إنجازه وأسباب ذلك.
ومن هنا، فإن حديث أخنوش من تيزنيت عن قدرة حزبه على «تنزيل المشاريع على أرض الواقع» يفتح الباب أمام نقاش أوسع من مجرد الخطاب الانتخابي.
فالقدرة على التنزيل لا تثبت بالشعارات، وإنما بالمواعيد والنتائج والأرقام. والمشروع الذي يتم الإعلان عنه يحتاج إلى تاريخ انطلاق، وآجال للإنجاز، وميزانية واضحة، ومؤشرات يمكن للمواطن من خلالها معرفة ما إذا كان قد تحقق أم لا.
وهذا هو الفارق بين برنامج انتخابي يطلب الثقة، وحصيلة حكومية تطلب المحاسبة.
لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم على أخنوش وحزبه ليس فقط ماذا سيقدمان في المرحلة المقبلة، وإنما ماذا قدما خلال المرحلة التي انتهت أو توشك على الانتهاء.
أين وصلت الوعود التي قُدمت سنة 2021؟
كم تحقق من مليون منصب شغل؟ ماذا تغير في مستوى معيشة الأسر؟ ماذا تحقق للطبقة الوسطى؟ ما أثر الإصلاحات على الصحة والتعليم؟ وما هي المشاريع التي اكتملت فعلاً، وتلك التي لا تزال في طور الإنجاز أو تأخرت عن آجالها؟
الإجابة عن هذه الأسئلة بالأرقام والمعطيات هي التي ستمنح للخطاب السياسي معناه الحقيقي.
أما المواطن المغربي، فلم يعد يريد فقط أن يسمع أن هناك «برنامجاً قوياً»، بل يريد أن يعرف ماذا تغير في حياته بفضل البرامج السابقة، وما الذي سيختلف فعلاً في البرامج المقبلة.
فالانتخابات ليست مناسبة لتقديم الوعود فقط، وإنما محطة لمقارنة الوعود بالحصيلة، والخطاب بالواقع، والمعلن بالمنجز.
ومن تيزنيت إلى باقي المدن والقرى المغربية، يبقى السؤال مفتوحاً:
قبل أن تطلبوا من المغاربة الثقة في وعود جديدة… ماذا تحقق من وعود الأمس.





