البام» يرد على «الأحرار»: حرية الانتماء ليست استمالة… والتحالف الحكومي يدخل منطقة التوتر

جسر بريسمنذ 15 دقيقةآخر تحديث :
البام» يرد على «الأحرار»: حرية الانتماء ليست استمالة… والتحالف الحكومي يدخل منطقة التوتر

لم يعد الخلاف بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة مجرد تباين عابر في وجهات النظر داخل الأغلبية الحكومية، بعدما انتقل إلى مستوى البلاغات السياسية المتبادلة، محمّلاً بلغة الاتهام والرد والاحتجاج. فالمعركة التي بدأت من بوابة انتقال عدد من المنتخبين والبرلمانيين من حزب إلى آخر، سرعان ما كشفت عن توتر أعمق يتعلق بقواعد اللعبة السياسية وحدود التنافس داخل الأغلبية نفسها.

في أول رد مباشر على بلاغ «الأحرار»، اختار حزب الأصالة والمعاصرة عدم الاكتفاء بالنفي، بل ذهب إلى الهجوم المضاد، رافضاً ما اعتبره اتهامات غير مؤسسة بشأن استمالة المنتخبين والبرلمانيين أو إخضاعهم للضغط والإكراه.

رسالة «البام» كانت واضحة: الانضمام إلى حزب سياسي، ما دام يتم بإرادة صاحبه ووفق القانون، يندرج ضمن حرية الاختيار السياسي التي يكفلها الدستور، وليس جريمة سياسية تستوجب المحاسبة أو التشهير.

لكن الأهم في الرد ليس النفي وحده، وإنما اللهجة التي اختارها الحزب، حين أكد أنه «لن يقبل دروسا من أي طرف» في احترام القانون وقواعد العمل السياسي والمؤسساتي. وهي عبارة تكشف أن النقاش لم يعد محصوراً في أسماء غادرت هذا الحزب والتحقت بذاك، وإنما أصبح سجالاً حول من يملك حق تحديد قواعد التنافس السياسي ومن يملك حق تقييم سلوك الخصم.

حين تتحول الانتقالات السياسية إلى أزمة ثقة

من الواضح أن حساسية المرحلة الانتخابية المقبلة جعلت كل انتقال سياسي يحمل أكثر من دلالته التنظيمية. فالبرلماني أو المنتخب الذي يغيّر انتماءه الحزبي لا ينتقل فقط من لون سياسي إلى آخر، بل قد يعيد رسم موازين القوى داخل دوائر انتخابية وجماعات ترابية، وهو ما يجعل ظاهرة الانتقالات أكثر حساسية كلما اقترب موعد الاستحقاقات.

«الأحرار» قرأ الظاهرة من زاوية الاستهداف والاستمالة والضغط، بينما اختار «البام» تقديمها باعتبارها نتيجة طبيعية لحرية الاختيار والاقتناع بالمشروع السياسي.

وبين الروايتين، تبدو الساحة السياسية أمام سؤال أكبر: هل نحن أمام انتقالات سياسية طبيعية تفرضها دينامية الأحزاب، أم أمام إعادة تشكيل للخريطة الانتخابية قبل موعد الاستحقاقات؟

«البام» يرد بسلاح الذاكرة السياسية

لم يكتف حزب الأصالة والمعاصرة بالدفاع عن نفسه، بل استدعى ذاكرة الانتخابات التشريعية لسنة 2021، مذكراً بأن التجمع الوطني للأحرار سبق أن رشح عدداً من البرلمانيين الذين كانوا ينتمون إلى أحزاب أخرى، بينهم برلمانيون سابقون في «البام».

وهنا يضع الحزب خصمه أمام ما يشبه سؤال المرآة: إذا كانت الانتقالات السياسية ممارسة مشروعة عندما تصب في اتجاه معين، فلماذا تتحول إلى مساس بأخلاقيات العمل السياسي عندما تتغير وجهتها؟

إنها واحدة من أقوى نقاط الرد السياسي لـ«البام»، لأنها تنقل النقاش من واقعة اليوم إلى سؤال الاتساق في المواقف.

فالأحزاب السياسية لا تُحاسب فقط على ما تقوله في لحظة سياسية معينة، بل أيضاً على مدى انسجام مواقفها الحالية مع ممارساتها السابقة. ومن هذه الزاوية، يبدو أن «البام» أراد القول إن قواعد اللعبة لا يمكن أن تتغير بحسب اتجاه الرياح السياسية.

أغلبية حكومية… وتنافس انتخابي شرس

المفارقة الكبرى أن الطرفين ليسا خصمين انتخابيين فقط، بل شريكان في الأغلبية الحكومية. وهذا ما يمنح الخلاف الحالي دلالة سياسية أكبر.

فحين تتبادل أحزاب الأغلبية الاتهامات بشأن استقطاب المنتخبين، فإن الأمر يتجاوز حدود التنظيمات الحزبية إلى صورة العمل السياسي برمته. المواطن الذي يتابع هذه السجالات قد لا ينشغل كثيراً بمن انتقل من حزب إلى آخر، بقدر ما يتساءل عن طبيعة الصراع الحقيقي: هل يتعلق بالمبادئ، أم بالمواقع، أم بالخوف من فقدان النفوذ الانتخابي؟

وهنا تكمن المفارقة: كل حزب يتحدث عن حرية الاختيار عندما يستقبل الوافدين، وعن الاستهداف عندما يفقد أبناءه.

إنها قاعدة غير مكتوبة في السياسة، لكنها كثيراً ما تظهر مع اقتراب الانتخابات.

منطق الانتخابات يفرض نفسه

الأسماء التي أشار إليها «الأحرار» في بلاغه ليست مجرد لائحة عابرة، بل تعكس حجم القلق الذي أصبح يحيط بحركة الاستقطاب السياسي. وكلما ارتفع عدد المنتخبين الذين يغيرون مواقعهم، ارتفعت حساسية الأحزاب تجاه الظاهرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتخبين يمتلكون امتداداً محلياً أو حضوراً انتخابياً.

لكن في المقابل، فإن إثبات وجود «ضغط» أو «إكراه» يظل مسألة تحتاج إلى معطيات وأدلة، لا إلى مجرد البلاغات السياسية. فالفصل بين الاستقطاب المشروع والاستمالة غير المشروعة لا ينبغي أن يكون خاضعاً للانطباعات، وإنما للقانون والوقائع.

ولهذا يبدو رد «البام» مرتكزاً على قاعدة قانونية بسيطة: من يملك الحق في الانتماء إلى حزب، يملك أيضاً الحق في مغادرته، ما لم يثبت وجود خرق للقانون.

المعركة الحقيقية ليست بين الأسماء

في العمق، تبدو المعركة أكبر من مجرد انتقال مجموعة من البرلمانيين والمنتخبين. إنها معركة حول من يمتلك المبادرة السياسية قبيل الانتخابات، ومن يستطيع إعادة ترتيب الخريطة الانتخابية، ومن يملك القدرة على جذب الوجوه المؤثرة محلياً.

وهذا ما يجعل البلاغين المتبادلين أكثر من مجرد ردود إعلامية؛ إنهما رسالتان إلى القواعد الحزبية والمنتخبين والمرشحين المحتملين.

«الأحرار» يريد أن يقول إن استقطاب منتخبيه تجاوز حدود المنافسة المقبولة، بينما يرد «البام» بأن أبواب الحزب مفتوحة أمام كل من يقتنع بمشروعه، وأن زمن احتكار الانتماءات السياسية قد انتهى.

وبين الرسالتين، تبدو الانتخابات المقبلة حاضرة بقوة، حتى وإن لم تُذكر في كل سطر.

التحالف الحكومي أمام اختبار سياسي

قد لا يؤدي هذا السجال بالضرورة إلى أزمة حكومية، لكنه يكشف دون شك عن حجم التنافس الذي يمكن أن يتصاعد بين مكونات الأغلبية كلما اقترب موعد الانتخابات.

فالحكومة شيء، والحسابات الانتخابية شيء آخر. وقد يجتمع الحزبان حول تدبير الشأن الحكومي، لكنهما يختلفان جذرياً عندما يتعلق الأمر بمن يملك الكتلة الانتخابية الأكبر، ومن يفرض حضوره في المدن والأقاليم، ومن ينجح في استقطاب النخب المحلية.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع الأغلبية أن تفصل بين التعايش الحكومي والتنافس الانتخابي، أم أن حرارة الانتخابات ستبدأ في التسلل تدريجياً إلى داخل مؤسسات الأغلبية؟

المؤكد أن البلاغين المتبادلين أعادا وضع العلاقة بين «الأحرار» و«البام» تحت المجهر. وما كان في السابق تنافساً صامتاً على المواقع والنفوذ، أصبح اليوم سجالاً معلناً حول الأخلاق السياسية وحرية الانتماء وقواعد المنافسة.

وفي السياسة، عندما تبدأ الأحزاب في تبادل الاتهامات حول «الاستمالة» و«الضغط» و«حرية الاختيار»، فإن الأمر غالباً لا يكون مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل مؤشراً على أن معركة المواقع بدأت مبكراً.

وربما تكون الرسالة الأوضح في كل هذا الصخب أن الانتخابات المقبلة لن تُحسم فقط بصناديق الاقتراع، بل ستبدأ معاركها منذ الآن داخل الأحزاب، وبين الأحزاب، وفي خرائط التحالفات والانتقالات وإعادة تموقع المنتخبين

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة