سياسة

لقجع و”النجاعة العمومية”.. هل يصبح دعم الصحافة استثمارا في الأمن القومي؟

جسر بريس 9 دقائق للقراءة
Jisrpress

في التشكيلة الحكومية الجديدة التي عيّنها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، برزت تسمية وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، المسندة إلى فوزي لقجع، باعتبارها إحدى الإشارات التي تستحق التوقف عندها. فإضافة مفهوم «النجاعة العمومية» إلى اسم هذه الوزارة الاستراتيجية تفتح النقاش حول كيفية تدبير المال العام، ومدى ارتباط الإنفاق العمومي بالنتائج الفعلية التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.

غير أن قراءة هذه التسمية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود التدبير المالي، بل يمكن أن تمتد إلى قطاعات أخرى تتقاطع فيها الموارد العمومية مع المصلحة العامة، وفي مقدمتها الصحافة والإعلام، خصوصاً في ظل غياب قطاع الاتصال عن تسميات الحقائب الحكومية المعلنة.

ليس الاسم وحده كافياً لتحديد الاختصاصات، التي تظل محكومة بالنصوص التنظيمية، لكن اختيار مفهوم النجاعة يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن قياس القيمة الحقيقية للمال العام، وهل تكفي المؤشرات المالية لتحديد نجاح السياسات العمومية؟

من تدبير الميزانية إلى قياس الأثر

بالعودة إلى الحوار الذي أجراه فوزي لقجع مع مجلة LEX MAG، تحت عنوان «من الدولة المموِّلة إلى الدولة الاستراتيجية»، يتضح أن النقاش حول النجاعة يتجاوز مجرد ضبط النفقات أو تحقيق التوازنات المالية، ليصل إلى مساءلة الأثر الفعلي للموارد التي تعبئها الدولة.

فالمعيار الحقيقي لأي إنفاق عمومي لا ينبغي أن يكون حجم الأموال المرصودة وحده، بل النتائج التي تحققت بفضلها، ومدى استجابتها لانتظارات المواطنين، وقدرتها على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي مستدام.

ومن هذا المنطلق، يكتسب السؤال الذي طرحه لقجع أهمية خاصة: ما التحول الذي تحققه الدولة مقابل كل درهم تنفقه؟

إنه سؤال يصلح لقياس أداء القطاعات الحيوية، من الصحة والتعليم إلى الاستثمار والتشغيل، لكنه يكتسب أبعاداً إضافية عندما يتعلق الأمر بقطاع الصحافة، الذي لا يمكن اختزال مردوديته في رقم المعاملات أو حجم الإعلانات أو عدد الزيارات الرقمية.

الصحافة ليست مجرد مقاولة تجارية

تُعد المقاولة الصحفية مؤسسة اقتصادية مطالبة باحترام قواعد التدبير السليم، وضمان حقوق العاملين، وتأمين استمراريتها المالية، والاستثمار في الكفاءات والتكنولوجيا. غير أن خصوصيتها تكمن في أن منتوجها لا يقتصر على المحتوى القابل للبيع، بل يشمل خدمة مجتمعية تتمثل في توفير المعلومات، وتفسير الأحداث، ومراقبة الشأن العام، ومساعدة المواطنين على تكوين آراء تستند إلى معطيات موثوقة.

وهنا تبرز الإشكالية الأساسية: هل يمكن قياس قيمة الصحافة بمؤشرات السوق وحدها؟

قد تحقق بعض المنابر انتشاراً واسعاً بفضل الإثارة والفضائح، بينما تستثمر مؤسسات أخرى موارد محدودة في التحقيقات الجادة والتغطيات الميدانية والمحتوى التحليلي، دون أن تجد بالضرورة الإقبال الإعلاني نفسه. وقد تنجح العلاقات السياسية والاقتصادية في فتح أبواب التمويل أمام بعض المؤسسات، في حين تجد مقاولات أخرى صعوبة في الاستمرار رغم التزامها بالعمل المهني.

هذه المفارقة لا تعني أن كل مؤسسة واسعة الانتشار تفتقر إلى المهنية، ولا أن كل مؤسسة محدودة الجمهور تستحق الدعم تلقائياً، بل تعني أن الاستحقاق ينبغي أن يُقاس بمعايير متعددة وشفافة، لا بحجم النفوذ أو القدرة التجارية وحدهما.

فالنجاعة في قطاع الصحافة تقتضي الجمع بين الاستدامة الاقتصادية وجودة المحتوى، واحترام أخلاقيات المهنة، والاستثمار في الموارد البشرية، والقدرة على إنتاج المعلومة الأصلية والتحقق منها.

المال العام واختبار الاستحقاق

إذا كانت النجاعة العمومية تقوم على جودة استهداف الموارد وتقييم نتائجها، فإن إصلاح آليات دعم الصحافة يتيح مجالاً عملياً لاختبار هذه المبادئ.

فالدعم العمومي ليس امتيازاً تمنحه الدولة للمؤسسات الإعلامية، ولا تعويضاً عن ضعف التدبير التجاري، بل يمكن النظر إليه باعتباره أداة للمساهمة في بناء قطاع إعلامي قادر على أداء وظائفه الاقتصادية والمهنية والمجتمعية.

غير أن هذه الغاية تظل رهينة بوجود قواعد واضحة للاستفادة، تضمن تكافؤ الفرص، وتمنع تضارب المصالح، وتفصل بين الاستحقاق المهني والولاءات الحزبية أو العلاقات الشخصية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى معايير قابلة للقياس، تشمل احترام حقوق الصحافيين والعاملين، والتصريح بالوضعية القانونية والمالية للمؤسسة، والاستثمار في المحتوى الأصلي، وتطوير أدوات التحقق من الأخبار، وتوسيع التغطية الجغرافية، والالتزام بأخلاقيات المهنة.

كما أن نشر نتائج التقييم، وإخضاع آليات الدعم للمراقبة المستقلة، وتوفير مساطر واضحة للتظلم والطعن، من شأنها تعزيز الثقة في هذا الورش، وتحويله من مجرد آلية لتوزيع الموارد إلى رافعة لتطوير الإعلام الوطني.

وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول هذه المعايير إلى أدوات إقصاء للمقاولات الناشئة أو المنابر الرقمية الصغيرة، التي قد تقدم قيمة تحريرية مهمة رغم محدودية إمكاناتها. فالعدالة في الدعم تقتضي مراعاة حجم المؤسسة وطبيعة نشاطها، دون التنازل عن الحد الأدنى من المهنية والشفافية.

الصحافة والأمن القومي.. قيمة تتجاوز مؤشرات الانتشار

ثمة جانب آخر لا يحظى بما يكفي من الاهتمام في النقاش حول تمويل الصحافة، ويتعلق بدورها في تعزيز الأمن القومي بمعناه الشامل، الذي لا يقتصر على حماية الحدود أو مواجهة التهديدات العسكرية، بل يشمل أيضاً مناعة المجتمع وقدرته على مواجهة التضليل الإعلامي والحملات التي تستهدف استقراره وثقته في مؤسساته.

فالمجتمع الذي يمتلك إعلاماً مهنياً قادراً على التحقق من المعلومات، وتفسير التحولات الإقليمية والدولية، وتقديم المعطيات في سياقها الصحيح، يكون أكثر قدرة على التمييز بين الخبر والشائعة، وبين النقد المشروع ومحاولات التلاعب بالرأي العام.

وتزداد أهمية هذه الوظيفة في عالم أصبحت فيه المعلومة أداة للتأثير والصراع، وأضحت الأخبار المضللة قادرة على الانتشار بسرعة تتجاوز أحياناً قدرة المؤسسات على تصحيحها.

وفي هذا السياق، تستطيع الصحافة المهنية أن تسهم في حماية المصالح الوطنية من خلال كشف المغالطات، وتفكيك الروايات المضللة، وتقديم تحليل رصين للقضايا الاستراتيجية، بما فيها القضايا المرتبطة بالوحدة الترابية للمملكة والتحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة.

لكن هذا الدور لا يعني تحويل الصحافة إلى أداة للدعاية أو إخضاعها لتوجيه سياسي مباشر. فمناعة المجتمع لا تتحقق بإخفاء الاختلالات أو منع النقد، وإنما ببناء إعلام موثوق، يتمتع بالاستقلالية المهنية، ويستطيع مساءلة السياسات العمومية وتصحيح الأخطاء، مع الالتزام بالقانون والمسؤولية.

إن الصحافة التي تخدم المصلحة الوطنية هي الصحافة التي تكسب ثقة المواطن بالمعلومة الدقيقة، لا التي تطالبه بالثقة دون دليل.

عندما تتعارض الأرباح مع المصلحة العامة

تتجلى خصوصية العمل الصحفي أيضاً في القرارات التي قد لا تحقق عائداً تجارياً مباشراً، لكنها تؤدي وظيفة مهنية أو مجتمعية مهمة.

فقد تختار مؤسسة صحفية الاستثمار في تحقيق معمق يحتاج إلى أسابيع من العمل، بدلاً من نشر محتوى سريع يضمن عدداً أكبر من النقرات. وقد تتحمل كلفة التحقق من معلومة متداولة، أو تصحيح خطأ سبق أن نشرته، رغم ما قد يترتب على ذلك من خسارة مؤقتة في الجمهور أو الإعلانات.

وفي بعض الحالات، قد يقتضي تقدير الضرر تأخير نشر تفاصيل معينة حفاظاً على سلامة الأشخاص أو على مصلحة مشروعة يقرها القانون، على أن يستند القرار إلى تقييم مهني محدد، لا إلى ضغوط سياسية أو رغبة في حماية مسؤول من المساءلة.

هذه الممارسات لا تظهر دائماً في مؤشرات الأداء التجاري، لكنها تشكل جزءاً من القيمة الحقيقية للمؤسسة الصحفية.

ومن ثم، فإن أي تصور لنجاعة دعم الصحافة ينبغي أن يأخذ في الاعتبار جودة الممارسة المهنية، لا مجرد حجم الجمهور أو الإيرادات. كما ينبغي ألا يمنح غطاءً لأي تجاوزات باسم الرسالة الإعلامية، لأن حرية الصحافة ومسؤوليتها وجهان متلازمان، ولا يمكن الدفاع عن المهنية مع التساهل في حقوق المواطنين أو كرامتهم.

هشاشة المقاولات الصحفية تهدد استقلاليتها

لا يمكن مطالبة الصحافة بأداء أدوارها الرقابية والمجتمعية في ظل هشاشة اقتصادية تجعل استمرار المؤسسة رهيناً بمورد واحد أو بعلاقات غير متوازنة مع المعلنين والفاعلين السياسيين والاقتصاديين.

فكلما ضعفت الموارد المالية، تقلصت قدرة المؤسسة على توظيف صحافيين مؤهلين، وتمويل التحقيقات، وتطوير أدوات التحقق، وتوسيع التغطية الميدانية. وقد تجد نفسها أمام خيارات صعبة بين الالتزام بالمعايير المهنية ومتطلبات البقاء في السوق.

لهذا، فإن دعم الصحافة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إنفاقاً اجتماعياً فحسب، بل باعتباره استثماراً في بناء مؤسسات إعلامية مستقرة، قادرة على إنتاج المعرفة وممارسة الرقابة المهنية والمساهمة في حماية المجال العام من التضليل.

غير أن هذا الاستثمار لن يحقق أهدافه إذا استمر توزيع الموارد دون تقييم واضح للنتائج، أو إذا تحولت الاستفادة من الدعم إلى امتياز غير مرتبط بالأداء.

المطلوب هو بناء منظومة تمويل تشجع المؤسسات التي تستثمر في الصحافيين، وتحترم حقوقهم، وتنتج محتوى أصلياً، وتلتزم بأخلاقيات المهنة، وتطور قدراتها الرقمية، مع ضمان تكافؤ الفرص أمام مختلف الفاعلين المؤهلين.

ماذا يمكن أن تضيف «النجاعة العمومية» إلى إصلاح الإعلام؟

لا يعني غياب قطاع الاتصال عن تسميات الحقائب الحكومية المعلنة أن فوزي لقجع أصبح مسؤولاً تلقائياً عن تدبير دعم الصحافة أو تحديد سياساتها. فذلك يرتبط بالاختصاصات القانونية والتنظيمية المحددة لكل قطاع.

لكن موقع وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية في تدبير الموارد العمومية يجعل من المشروع طرح سؤال التنسيق بين السياسة المالية وأهداف الإصلاح الإعلامي، في إطار الاختصاصات المخولة لكل جهة.

فإذا كانت النجاعة تعني تحسين استهداف الإنفاق العمومي وقياس أثره، فإن دعم الصحافة يمكن أن يشكل مجالاً مناسباً لتطبيق هذا المنطق، من خلال تحديد الأهداف مسبقاً، ووضع معايير معلنة، وتقييم النتائج بصفة دورية، ونشر المعطيات المرتبطة بالاستفادة من الموارد العمومية.

ويمكن أن يشمل ذلك قياس مدى مساهمة الدعم في استقرار التشغيل الصحفي، وتحسين جودة المحتوى، وتوسيع التغطية الإعلامية، وتعزيز التحقق من المعلومات، وتطوير المقاولات الصحفية، مع الحرص على ألا تتحول المؤشرات الكمية إلى غاية في حد ذاتها.

فليس كل ما يمكن عده قابلاً للقياس الحقيقي، وليس كل ما يحقق انتشاراً واسعاً يحقق بالضرورة منفعة عامة أكبر.

وهنا تبرز أهمية التنسيق بين الجهات المكلفة بالمالية والاتصال والهيئات المعنية بتنظيم القطاع، بما يضمن احترام الاختصاصات، ويجعل إصلاح الدعم جزءاً من رؤية متكاملة لتطوير الإعلام الوطني.

هل نقيس ما تنفقه الدولة أم ما تكسبه من ثقة المجتمع؟

إن التحدي الحقيقي الذي تطرحه عبارة «النجاعة العمومية» لا يتعلق فقط بقدرة الدولة على إنفاق المال بكفاءة، بل بقدرتها على تحديد النتائج التي تريد تحقيقها، والتمييز بين الإنفاق الذي يستهلك الموارد والإنفاق الذي يبني قيمة مستدامة.

وفي قطاع الصحافة، لا تتوقف هذه القيمة عند حدود المقاولة وأرباحها، بل تمتد إلى حق المواطن في المعلومة، وجودة النقاش العمومي، وقدرة المجتمع على مواجهة التضليل، ووجود مؤسسات مستقرة تمارس دورها الرقابي باستقلالية ومسؤولية.

لقد وضع فوزي لقجع، في حواره مع مجلة LEX MAG، سؤال الأثر في صلب النقاش حول تدبير الموارد العمومية. واليوم، تتيح التسمية الجديدة للوزارة مناسبة لطرح السؤال نفسه على منظومة دعم الصحافة: ما الذي ينبغي أن يحققه كل درهم من المال العام؟ وكيف يمكن التأكد من أن أثره يعود فعلاً على المواطن والمجتمع؟

إن الجواب لا يكمن في تمويل المؤسسات لمجرد وجودها، ولا في ترك الصحافة رهينة لمنطق السوق وحده، بل في إرساء توازن عادل بين الاستدامة الاقتصادية والاستحقاق المهني والمنفعة العامة.

فهل تتسع النجاعة العمومية لاحتساب قيمة الصحافة في حماية وعي المجتمع وتعزيز أمنه المعلوماتي، أم سيظل تقييم الدعم أسهل من تقييم أثره؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم، ليس على فوزي لقجع وحده، بل على كل الجهات المعنية بمستقبل الإعلام المغربي. فالدولة التي تستثمر في صحافة مهنية ومستقلة ومسؤولة لا تمول محتوى فحسب، بل تسهم في بناء مجتمع أكثر وعياً وقدرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *