لقجع على رأس وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية.. رهان على الانضباط المالي وربط الإنفاق بالنتائج
في تحول لافت ضمن هندسة الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، برز تعيين فوزي لقجع وزيراً للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، خلفاً لنادية فتاح، باعتباره أحد أبرز المستجدات التي حملتها التشكيلة الحكومية المعلن عنها يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026.
ولا يقتصر هذا التغيير على ترقية لقجع من منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية إلى رأس الوزارة الوصية على المالية العمومية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة دور هذه الحقيبة الاستراتيجية، من خلال إدراج مفهوم «النجاعة العمومية» ضمن تسميتها الرسمية، في خطوة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها تحسين تدبير الموارد المالية للدولة، وتعزيز فعالية السياسات العمومية، وربط الإنفاق الحكومي بالنتائج الملموسة.
إلغاء الوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية يعيد رسم المسؤوليات
من أبرز ملامح الهيكلة الحكومية الجديدة إلغاء منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، الذي كان يشغله فوزي لقجع في الحكومة السابقة، دون تعيين مسؤول بديل في هذا المنصب، بالتزامن مع انتقاله إلى قيادة وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية.
ويعكس هذا الاختيار توجهاً نحو تركيز المسؤولية المالية داخل قطب وزاري موحد، بما قد يعزز الانسجام بين إعداد الميزانية وتنفيذها، وبين تحديد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية وضمان التمويلات اللازمة لتنزيلها.
كما يضع هذا التغيير الوزير الجديد أمام مسؤولية أوسع، تتمثل في تحقيق التوازن بين حاجيات القطاعات الحكومية المتزايدة، ومتطلبات الاستثمار العمومي، والحفاظ على استقرار المؤشرات المالية والاقتصادية للمملكة.
الدولة الاجتماعية في صلب الأولويات المالية
تواجه وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية تحديات كبيرة خلال المرحلة المقبلة، في مقدمتها ضمان التمويل المستدام للأوراش الاجتماعية، ومواصلة تنزيل إصلاحات الحماية الاجتماعية، وتعزيز برامج الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب دعم الاستثمار وخلق فرص الشغل وتحسين جودة الخدمات العمومية.
وفي هذا السياق، تكتسي تجربة فوزي لقجع في تدبير الميزانية أهمية خاصة، بالنظر إلى ضرورة التوفيق بين الالتزامات الاجتماعية للدولة والإكراهات المرتبطة بتوازن المالية العمومية، خصوصاً في ظل التقلبات الاقتصادية الدولية، وضغوط الأسعار، وتزايد حاجيات الاستثمار في القطاعات الحيوية.
ويظل الرهان الأساسي هو الانتقال من مجرد توفير الاعتمادات المالية إلى ضمان تحقيق أثر اجتماعي واقتصادي واضح، بحيث تنعكس الميزانيات المرصودة على حياة المواطنين، وتصل البرامج العمومية إلى الفئات المستهدفة بكفاءة وعدالة.
«النجاعة العمومية».. منطق جديد لتدبير المال العام
يشكل إدراج عبارة «النجاعة العمومية» في الاسم الرسمي للوزارة الجديدة أبرز عناصر التحول في هيكلتها، لما يحمله من دلالات مرتبطة بإعادة تقييم طرق تدبير المال العام، والانتقال نحو مقاربة تجعل النتائج والأثر التنموي معياراً أساسياً لقياس أداء المؤسسات العمومية.
فلم يعد التحدي مقتصراً على صرف الميزانيات وفق الاعتمادات المرصودة، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرة الإنفاق العمومي على تحقيق أهداف محددة وقابلة للقياس، وتحسين جودة الخدمات، والحد من الهدر المالي، وتعزيز الشفافية والمساءلة.
ومن شأن هذا التوجه، إذا جرى تفعيله بآليات واضحة، أن يعزز مراقبة مردودية المشاريع العمومية، ويربط الموارد المالية بمؤشرات الأداء، ويشجع على تقييم البرامج القطاعية بناءً على نتائجها الفعلية، لا على حجم الأموال التي جرى ضخها فيها.
كما يطرح هذا التغيير ضرورة تعزيز حكامة المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحسين التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية، بما يضمن توجيه الموارد نحو المشاريع ذات الأولوية والأثر التنموي الأكبر.
بين الطموح السياسي والانضباط المالي
على المستوى السياسي، يضع تعيين فوزي لقجع على رأس الوزارة المالية الموسعة معادلة دقيقة أمام الحكومة الجديدة، تتمثل في ترجمة التزامات الأغلبية إلى برامج قابلة للتنفيذ، دون تحميل ميزانية الدولة أعباءً تتجاوز قدرتها على التحمل.
فالحكومات مطالبة بالاستجابة لانتظارات المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، غير أن نجاح هذه الاستجابة يظل مرتبطاً بمدى توفر التمويلات المستدامة، وجودة الاختيارات الاستثمارية، والقدرة على ترتيب الأولويات وفق الحاجيات الفعلية.
ومن هنا، تبرز أهمية التنسيق بين وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية وباقي القطاعات الحكومية، حتى لا تتحول البرامج العمومية إلى مبادرات متفرقة تفتقر إلى التكامل، أو إلى نفقات لا تحقق العائد الاجتماعي والاقتصادي المنتظر منها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل الحاجة إلى تقييم حصيلة البرامج السابقة، والوقوف على مكامن التعثر وضعف التنسيق، واستخلاص الدروس الكفيلة بتوجيه الإنفاق العمومي نحو نتائج أكثر فعالية واستدامة.
اختبار المرحلة المقبلة: النتائج لا الشعارات
إن توسيع اختصاصات وزارة الاقتصاد والمالية وإدماج النجاعة العمومية ضمن هويتها المؤسسية يرفع سقف الانتظارات من المرحلة الحكومية الجديدة، ويجعل نجاحها مرتبطاً بقدرتها على إرساء قواعد أكثر صرامة في تدبير الموارد العمومية.
ويتمثل التحدي في تحويل هذا التوجه إلى إجراءات عملية تشمل تقييم السياسات العمومية، وترشيد النفقات، وتحسين مردودية الاستثمار، وتعزيز الرقابة على المشاريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الحفاظ على التوازن بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية.
كما أن تحسين فعالية الإنفاق العمومي من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين في قدرة المغرب على تدبير موارده، ويوفر شروطاً أفضل لجذب الاستثمارات وتحفيز النمو الاقتصادي.
في المحصلة، لا يمثل تعيين فوزي لقجع على رأس وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية مجرد تغيير في توزيع الحقائب الوزارية، بل يضع أمام الحكومة اختباراً حقيقياً لمدى قدرتها على الانتقال من منطق تعبئة الأموال إلى منطق تحقيق النتائج.
ويبقى الرهان الأكبر هو أن تتحول النجاعة العمومية من عبارة مضافة إلى اسم الوزارة إلى ممارسة فعلية في تدبير الشأن العام، تجعل كل درهم من المال العام وسيلة لتحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة، وتكرس الثقة في المؤسسات، وتخدم مصالح المواطنين والتنمية المستدامة للمملكة.






