صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي في قضية الـ61 موقوفاً بوهران.. تحقيق إعلامي يثير تساؤلات حول الرواية الجزائرية
أثار تحقيق إعلامي مشترك لقناة «فرانس 24» وإذاعة فرنسا الدولية (RFI) جدلاً بشأن الصور التي رافقت الرواية الرسمية الجزائرية حول توقيف 61 شخصاً في مدينة وهران، بعدما خلص التحقيق، وفق المعطيات الواردة فيه، إلى أن صوراً نُشرت في صحف جزائرية وقدّمت على أنها توثّق الموقوفين، جرى توليدها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويعيد هذا التطور طرح أسئلة جوهرية حول مصداقية المواد البصرية التي تعتمدها بعض وسائل الإعلام في تغطية القضايا الأمنية، وحول الحدود الفاصلة بين نقل الرواية الرسمية والتحقق المستقل من الأدلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باتهامات خطيرة تمس مواطنين أجانب وعلاقات بين دولتين جارتين.
رواية أمنية تثير علامات استفهام
وكانت المديرية العامة للأمن الوطني الجزائري قد أعلنت، في 11 أكتوبر الجاري، تفكيك ما وصفته بشبكة إجرامية دولية تضم 61 شخصاً من جنسية مغربية، متهمة إياهم بالتحضير لأعمال تخريبية داخل الجزائر.
غير أن تفاصيل البلاغ، بحسب المعطيات المتداولة، أثارت تساؤلات بشأن طبيعة الأنشطة المنسوبة إلى الموقوفين، والمسار الذي سلكوه للوصول إلى وهران، والأدلة المادية التي استندت إليها الاتهامات المعلنة.
وتحدثت الرواية الرسمية عن وصول المشتبه فيهم عبر تونس، ثم عبورهم مسالك جبلية وغابات في منطقة القالة، قبل الوصول إلى وهران. في المقابل، لم تتضمن المعلومات المنشورة تفاصيل دقيقة بشأن التواريخ الفردية للتوقيفات أو الخطط العملياتية التي قيل إن المجموعة كانت تعتزم تنفيذها.
كما نقلت وكالة «فرانس برس» أن السلطات الجزائرية لم تقدم تفاصيل بشأن العمليات المفترضة، وهو ما أبقى عدداً من عناصر القضية في حاجة إلى توضيح رسمي وأدلة قابلة للتحقق.
صور مفبركة تضع الإعلام الجزائري أمام اختبار المصداقية
برزت القضية بصورة أكبر بعد تداول صور قُدّمت باعتبارها مشاهد للموقوفين، وتظهر رجالاً مكبلي الأيدي، إلى جانب عناصر أمنية وجوازات سفر وهواتف وأموال.
وبحسب التحقيق المشترك المنسوب إلى «فرانس 24» و«إذاعة فرنسا الدولية»، فإن صوراً من هذه المجموعة أُنتجت بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو ما أشارت إليه المعطيات التقنية التي تناولها التحقيق، بما فيها أدوات التحقق من المحتوى الاصطناعي.
وامتد تداول هذه الصور إلى صحيفتي «صدى الجزائر» (L’Écho d’Algérie) و«الجمهورية الجديدة» (La Nouvelle République)، وفق المعلومات الواردة في الملف، من دون توضيح ظاهر للقارئ بشأن طبيعتها الاصطناعية.
وتكمن خطورة هذه الواقعة في أن الصورة الصحفية لا تؤدي وظيفة تكميلية فحسب، بل تُستخدم عادة باعتبارها عنصراً من عناصر الإثبات البصري. وعندما تُعرض صورة مولدة اصطناعياً على أنها توثيق حقيقي لعملية أمنية، فإن الأمر يتجاوز خطأً تحريرياً عادياً، ليصبح مسألة تتعلق بحق الجمهور في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة.
كما أن ثبوت اصطناع بعض الصور لا يحسم، بمفرده، جميع الوقائع المرتبطة بالتوقيفات، لكنه يفرض على الجهات المعنية تقديم توضيحات بشأن مصدر الصور، وكيفية إنتاجها، والأساس الذي استندت إليه المؤسسات الإعلامية في نشرها.
الذكاء الاصطناعي بين التوثيق والتضليل
تكشف القضية عن تحدٍّ متزايد تواجهه المؤسسات الإعلامية في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث بات بالإمكان إنشاء صور واقعية ظاهرياً لمشاهد لم تقع، أو لأشخاص وأحداث لا وجود لها بالصورة المعروضة.
ولم يعد التحقق من الصورة أمراً ثانوياً، خصوصاً في الملفات الأمنية والسياسية الحساسة. إذ يتطلب العمل الصحفي المهني التأكد من مصدر المادة البصرية، ومقارنتها بالمعطيات المتاحة، والاستعانة بأدوات كشف التلاعب، مع التمييز بين ما تثبته الأدلة التقنية وما يبقى في نطاق الاستنتاج.
وفي هذه الحالة، فإن نشر صور مولدة بالذكاء الاصطناعي بوصفها مشاهد حقيقية للموقوفين، إذا تأكدت تفاصيله كما أوردها التحقيق، يطرح مسؤولية مهنية واضحة على المؤسسات التي تداولتها، ويستدعي تصحيحاً علنياً يوضح للقارئ حقيقة المواد المنشورة.
«الدحدوحية».. اتهامات خارجية تتجدد في الخطاب الرسمي
وأعادت القضية إلى الواجهة مصطلح «الدحدوحية»، الذي يُستخدم في بعض النقاشات الإعلامية الجزائرية لوصف روايات أمنية تتحدث عن مؤامرات وتهديدات خارجية، وتُعرض أحياناً من خلال اعترافات متلفزة أو مواد إعلامية مثيرة للجدل.
ويربط منتقدو السلطة الجزائرية هذا المصطلح بقضايا سابقة جرى فيها الإعلان عن مخططات مزعومة تستهدف أمن البلاد، مع توجيه اتهامات إلى جهات داخلية أو خارجية. غير أن المقارنة بين الملفات المختلفة تظل بحاجة إلى فحص مستقل لكل قضية على حدة، بدل اعتبار التشابه في الخطاب دليلاً كافياً على تطابق الوقائع.
وفي قضية وهران، تزداد أهمية هذا التمييز بسبب خطورة الاتهامات المعلنة، وبسبب ما أثاره التحقيق الإعلامي بشأن الصور المستخدمة في تقديمها للرأي العام.
فالمعيار الأساسي في القضايا الأمنية لا ينبغي أن يكون قوة الخطاب الإعلامي أو حجم الاتهامات، بل وجود أدلة مادية واضحة، وإجراءات قضائية سليمة، وإمكانية إخضاع الادعاءات للفحص المستقل.
مهاجرون غير نظاميين أم متهمون بالتخريب؟
وفي سياق متصل، نقلت مجلة «جون أفريك» عن مصدر رسمي مغربي وصفه الرواية الجزائرية بأنها مختلقة، معتبراً أن الموقوفين قد يكونون مهاجرين غير نظاميين كانوا يحاولون الوصول إلى السواحل الأوروبية.
ويظل هذا الطرح رواية منسوبة إلى مصدر مغربي، لا حقيقة نهائية محسومة في غياب ملف قضائي كامل ومعلومات مستقلة بشأن هويات الموقوفين وظروف توقيفهم.
ومع ذلك، فإن التباين بين الاتهامات الأمنية الخطيرة والتفاصيل المحدودة التي نُشرت بشأنها يجعل الكشف عن الأدلة أمراً ضرورياً، سواء لتأكيد الاتهامات أو لدحضها.
كما أن استخدام صور اصطناعية في تغطية القضية، إذا ثبت وفق نتائج التحقيق المشار إليه، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الأدلة القضائية، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لتكوين انطباع مسبق بالإدانة قبل استكمال الإجراءات القانونية.
حقوق الموقوفين مسؤولية قانونية وإنسانية
وبصرف النظر عن طبيعة الاتهامات، فإن الأشخاص الموقوفين يتمتعون بالحقوق الأساسية التي تكفلها المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، بما فيها الحق في الدفاع، والاطلاع على التهم والأدلة، وعدم اعتبارهم مدانين قبل صدور أحكام قضائية نهائية وفق القانون.
كما تكتسي الحماية القنصلية أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بمواطنين أجانب، بما يستدعي توضيح وضعهم القانوني وإتاحة التواصل القنصلي وفق القواعد المعمول بها.
ولا ينبغي أن تتحول الخلافات السياسية بين الرباط والجزائر إلى عامل يطغى على الضمانات القانونية والإنسانية للأفراد، أو أن تُستخدم القضية لتغذية التوتر بين الشعبين قبل اتضاح الوقائع.
أزمة ثقة تتجاوز الصور
إن القضية التي أثارتها الصور المنسوبة إلى الموقوفين في وهران تتجاوز حدود الجدل التقني بشأن الذكاء الاصطناعي، لتطرح سؤالاً أوسع حول علاقة الإعلام بالسلطة، وحدود الاعتماد على البلاغات الأمنية، ومسؤولية المؤسسات الصحفية في التحقق من المعلومات قبل نشرها.
فإذا كانت السلطات الجزائرية تمتلك أدلة مادية على الاتهامات المعلنة، فإن نشرها عبر المسارات القضائية والمؤسساتية المختصة، مع ضمان حقوق الدفاع، هو السبيل الأوضح لإطلاع الرأي العام على حقيقة الملف. أما الصور التي يثبت أنها مولدة اصطناعياً فلا يمكن أن تعوض غياب التوثيق الحقيقي، ولا أن تحسم مسؤولية أي شخص.
وفي زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على صناعة مشاهد شديدة الإقناع، لم تعد مصداقية الروايات الأمنية تُقاس بمدى تأثير الصور أو قوة العناوين، بل بقدرة أصحابها على تقديم أدلة أصلية قابلة للتحقق والمساءلة.
فالوقائع تحتاج إلى أدلة، والاتهامات تحتاج إلى محاكمة عادلة، والصحافة مطالبة بالتحقق قبل أن تتحول الصورة من أداة للتوثيق إلى وسيلة لصناعة رواية قد لا تعكس الحقيقة.






