لماذا صوت المغرب لصالح قرار اللجنة الرابعة بينما عارضته أمريكا وإسرائيل وامتنعت فرنسا وبريطانيا؟
أعاد التصويت الذي شهدته اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، الخميس 15 أكتوبر الجاري، بشأن قضية الصحراء المغربية، تسليط الضوء على التحولات التي يعرفها مسار التسوية السياسية للنزاع، في ظل تزايد أهمية القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن، وما يحمله من دلالات بشأن موقع مبادرة الحكم الذاتي المغربية في المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي.
واعتمدت اللجنة القرار السنوي بأغلبية 152 صوتا، مقابل صوتين معارضين وسبعة امتناعات عن التصويت، في محطة اكتسبت أهمية خاصة بالنظر إلى السياق الذي جرى فيه الاقتراع، وإلى الإحالة الواردة في النص على القرار الأممي 2797، الذي يشكل إحدى المرجعيات الأساسية في النقاش الدولي حول مستقبل النزاع.
وتكمن أهمية هذه النتيجة في ضرورة قراءة مضمون القرار بعيدا عن محاولات توظيف الأرقام سياسيا وإعلاميا، إذ إن التصويت على نص داخل اللجنة الرابعة لا يعني بالضرورة تبني جميع الدول للمواقف السياسية التي تتبناها الأطراف المعنية بالنزاع، كما لا يجوز اختزال مضمونه في جانب واحد وإغفال بقية مرجعياته.
القرار 2797.. جوهر التحول في مسار التسوية
يشكل القرار 2797، المعتمد في مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، عنصرا محوريا في قراءة التطورات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، بالنظر إلى تأكيده أهمية مبادرة الحكم الذاتي المغربية كأساس للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي.
وبالنسبة إلى الرباط، فإن استحضار هذا القرار داخل نقاشات اللجنة الرابعة يكتسي أهمية سياسية ودبلوماسية واضحة، لأنه يربط النقاش الجاري في إطار الجمعية العامة بالتطورات التي عرفها مسار التسوية داخل مجلس الأمن، حيث تتحدد المرجعيات الأساسية للعملية السياسية.
وتقوم المقاربة المغربية على أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل أرضية واقعية للتفاوض، تتيح التوصل إلى تسوية سياسية متوافق عليها، بعيدا عن رهانات الانفصال التي تتمسك بها جبهة البوليساريو بدعم من الجزائر.
ومن ثم، فإن قراءة نتيجة التصويت بمعزل عن القرار 2797 من شأنها أن تقدم صورة ناقصة عن السياق الأممي الحالي، خصوصا أن التطورات الدبلوماسية لا تُقاس فقط بعدد الأصوات، وإنما أيضا بمضمون القرارات، والمرجعيات التي تستند إليها، ومدى انعكاسها على مسار المفاوضات.
التصويت الأمريكي.. لماذا لا يعني بالضرورة تغييرا في الموقف؟
أثار تصويت الولايات المتحدة ضد مشروع القرار داخل اللجنة الرابعة تساؤلات بشأن دلالاته السياسية، خصوصا بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به واشنطن داخل مجلس الأمن وإلى موقفها من القرار 2797.
غير أن التمييز بين التصويت على نص محدد داخل اللجنة الرابعة والموقف العام من مسار التسوية يظل ضروريا. فالتصويت السلبي لا يكفي، في حد ذاته، للاستنتاج بأن واشنطن تراجعت عن موقفها بشأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية، كما لا يسمح بالجزم بأن موقفها لا يرتبط باعتبارات سياسية أو إجرائية أخرى.
ويقتضي التقييم الدقيق الرجوع إلى التفسيرات الرسمية الأمريكية للتصويت، وإلى الصيغة النهائية للنص المعروض، قبل استخلاص أي استنتاج بشأن طبيعة التحول المحتمل في الموقف الأمريكي.
كما أن طلب البعثة الأمريكية إخضاع مشاريع القرارات الـ23 المعروضة على اللجنة الرابعة للتصويت، بدلا من اعتمادها من دون اقتراع، أضفى طابعا استثنائيا على الجلسة، لكنه لا يثبت بمفرده وجود توجه أمريكي جديد تجاه قضية الصحراء المغربية.
إسرائيل والأصوات الممتنعة.. حسابات تتجاوز الأرقام
أما تصويت إسرائيل ضد القرار، فيندرج ضمن سياق أوسع من التعقيدات السياسية المرتبطة بتعاملها مع بعض القرارات الأممية ذات الصلة بتصفية الاستعمار وتقرير المصير.
وقد تكون الاعتبارات المرتبطة بحساسيات إسرائيل تجاه عدد من الملفات الأممية عاملا مساعدا على فهم موقفها، لكن ربط تصويتها حصرا بقضية الأراضي الفلسطينية أو بالمستوطنات في الضفة الغربية يظل استنتاجا يحتاج إلى أدلة أو توضيحات رسمية، ولا يمكن اعتباره حقيقة ثابتة من دونها.
وفي المقابل، امتنعت سبع دول عن التصويت، وهي فرنسا والمملكة المتحدة والكاميرون وليبيريا وهندوراس والمالديف وبروناي دار السلام، في مواقف تعكس تباينا في مقاربات التعامل مع النص، من دون أن يكون الامتناع، في حد ذاته، دليلا قاطعا على تأييد طرف أو معارضة آخر.
وتزداد أهمية هذه المواقف بالنظر إلى أن بعض الدول الغربية، من بينها فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، تدير أقاليم لا تزال مدرجة ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. وتكشف هذه المعطيات عن استمرار تعقيد ملف تصفية الاستعمار داخل المنظومة الدولية، غير أنها لا تكفي وحدها لتفسير تصويت كل دولة على حدة.
الجزائر والبوليساريو.. بين لغة الأرقام وواقع المرجعيات
في أعقاب التصويت، ركزت جبهة البوليساريو ووسائل إعلام جزائرية على نتيجة الاقتراع، مقدمتها باعتبارها مكسبا لموقفها، استنادا إلى الأغلبية التي أيدت القرار وإلى الإشارات المرتبطة بتصفية الاستعمار وتقرير المصير.
غير أن الإشكال في هذه القراءة يكمن في تحويل نتيجة التصويت إلى حكم سياسي شامل، من دون التمييز بين طبيعة اللجنة الرابعة، ومضمون القرار المعتمد، والمرجعيات التي تحكم مسار التسوية داخل مجلس الأمن.
فحصول مشروع قرار على تأييد واسع لا يعني تلقائيا أن جميع الدول التي صوتت لصالحه تتبنى أطروحة الانفصال، مثلما أن تصويت المغرب نفسه لصالح النص لا يمكن تفسيره بمعزل عن المضمون الكامل للقرار وموقعه من المسار الأممي.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: المغرب والجزائر صوتا معا لصالح القرار، رغم اختلاف موقفيهما بشأن مستقبل الصحراء. وهذا المعطى يؤكد أن التصويت على نص أممي لا يساوي بالضرورة الاصطفاف السياسي الكامل وراء تفسير معين له.
وعليه، فإن تقديم النتيجة باعتبارها انتصارا حاسما للطرح الانفصالي يتجاهل أهمية التمييز بين المصطلحات الواردة في النصوص الأممية وبين المرجعيات السياسية التي يعتمدها مجلس الأمن في إدارة النزاع.
الدبلوماسية المغربية أمام اختبار مواصلة التراكم
تؤكد هذه المحطة أن المعركة الدبلوماسية حول الصحراء المغربية لا تُحسم بتصويت واحد، سواء تعلق الأمر باللجنة الرابعة أو بأي هيئة أممية أخرى، بل من خلال تراكم المواقف الدولية، ومضمون القرارات، ومدى تقدم العملية السياسية على أساس المرجعيات المعتمدة.
كما أن التحدي المطروح أمام الدبلوماسية المغربية يتمثل في مواصلة تعزيز الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وتوضيح مضامينها السياسية والمؤسساتية، والتصدي للقراءات التي تنتقي بعض فقرات القرارات الأممية وتتجاهل سياقها الكامل.
وفي المقابل، يبقى من الضروري التعامل مع مواقف الدول المختلفة بقراءة دقيقة، بعيدا عن المبالغة في تفسير الأصوات أو اعتبار كل تصويت مخالف مكسبا نهائيا لهذا الطرف أو ذاك.
الخلاصة أن تصويت اللجنة الرابعة أعاد الجدل إلى الواجهة، لكنه لا يلغي أهمية القرار 2797 ولا يحسم بمفرده مستقبل النزاع. فالمعيار الأهم يظل مدى قدرة المسار السياسي على تحقيق تسوية واقعية ودائمة، في ظل المرجعيات التي يعتمدها مجلس الأمن، وبما يفتح الطريق أمام إنهاء نزاع طال أمده وأثقل كاهل المنطقة المغاربية سياسيا وتنمويا.






