غار جبيلات بين الوعود الكبرى والأسئلة المحرجة: حين يصبح التشكيك في الجدوى جريمة
غار جبيلات بين الوعود الكبرى والأسئلة المحرجة: حين يصبح التشكيك في الجدوى جريمة
الجزائر – أعاد الحكم الصادر بحق الخبير الاقتصادي والجامعي جلول سلامة، بالسجن أربع سنوات نافذة وغرامة مالية، فتح النقاش حول واحد من أكثر المشاريع الاقتصادية إثارة للجدل في الجزائر: منجم غار جبيلات. فبينما تصر السلطات على تقديم المشروع باعتباره رافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني، تطرح معطيات تقنية ومالية متزايدة أسئلة حول كلفة استغلاله، وجودة خامه، وقدرته الفعلية على تحقيق المردودية المعلنة.
وصدر الحكم، الخميس 15 أكتوبر، بعدما تابعت السلطات سلامة بتهم تتعلق بـ«نشر أخبار زائفة» من شأنها المساس بالنظام العام و«عرقلة الاستثمار». وكان الخبير قد أوقف في يناير 2026، عقب مشاركته في برنامج تلفزيوني اقتصادي، حيث ناقش بصورة نقدية عددا من الجوانب التقنية والمالية المرتبطة بمشروع غار جبيلات.
أسئلة اقتصادية تحولت إلى قضية جنائية
لم يقدم سلامة، بحسب ما نُسب إليه، سوى قراءة اقتصادية لمشروع استثماري ضخم، متسائلا عن جودة خام الحديد، وكلفة استخراجه ومعالجته ونقله، فضلا عن مدى قدرته على تحقيق عائد اقتصادي يتناسب مع حجم الاستثمارات المرصودة له.
وكانت خلاصة موقفه أن المردودية المالية للمشروع ليست أمرا مضموناً، وهي مسألة تقع في صميم أي نقاش اقتصادي حول مشروع عملاق بهذا الحجم.
غير أن هذه الأسئلة تحولت إلى قضية قضائية، في وقت لا تزال فيه الجدوى الاقتصادية الفعلية للمشروع محل اهتمام واسع داخل الأوساط الاقتصادية والتقنية.
معضلة تقنية تعود إلى عقود
تعود قصة غار جبيلات إلى أكثر من سبعة عقود. فقد اكتُشف المنجم سنة 1952، ويُصنف ضمن أكبر مكامن الحديد في المنطقة، مع احتياطات ضخمة ظلت لعقود دون استغلال صناعي واسع النطاق.
ولا يرتبط التأخر في استغلال الموقع، وفق الطروحات التقنية المتداولة، بحجم الاحتياطات فحسب، وإنما أيضا بخصائص الخام، ولا سيما ارتفاع مستويات الفوسفور، الأمر الذي يفرض تقنيات معالجة إضافية لرفع جودته وجعله ملائما للصناعة الحديدية.
وقد استمرت الدراسات والبحوث المتعلقة بإيجاد حلول لمعالجة الخام لعقود، قبل أن تدخل الجزائر في شراكات ودراسات مع شركات صينية بهدف تطوير المشروع وإيجاد حلول تقنية لاستغلاله.
لكن المشكلة لا تتوقف عند المعالجة.
فالمنجم يقع في منطقة صحراوية نائية قرب تندوف، على مسافات شاسعة من المراكز الصناعية وموانئ التصدير، ما يجعل النقل أحد أبرز عناصر الكلفة. كما أن عمليات التعدين والمعالجة الصناعية تتطلب كميات كبيرة من الطاقة والمياه، وهما عاملان يكتسبان أهمية خاصة في بيئة صحراوية قاسية.
وبالتالي، فإن السؤال الاقتصادي الأساسي لا يتعلق بوجود الحديد في باطن الأرض، بل بكلفة تحويله إلى منتج تنافسي يمكن تسويقه محليا أو في الأسواق العالمية.
مليارات الدينارات تحت المجهر
تزداد حساسية النقاش بالنظر إلى حجم الأموال المرصودة للمشروع.
فبحسب الأرقام الواردة في النصوص الرسمية التي رافقت مشروع قانون المالية لسنة 2027، بلغت الأموال الموجهة إلى مشروع غار جبيلات مستويات ضخمة، وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤال العائد المتوقع من هذه الاستثمارات.
فالحديث عن إنتاج عشرات ملايين الأطنان سنويا، وعن استعادة الاستثمارات خلال سنوات قليلة، يفترض توفر مجموعة من الشروط: إنتاج مستقر، خام قابل للمعالجة بكلفة تنافسية، بنية نقل فعالة، أسواق قادرة على استيعاب الإنتاج، وأسعار عالمية تسمح بتحقيق هامش ربح كاف.
وفي المشاريع التعدينية العملاقة، لا تكفي ضخامة الاحتياطات لإثبات الجدوى الاقتصادية. فالاحتياطي الجيولوجي شيء، والاحتياطي القابل للاستخراج اقتصاديا شيء آخر.
من «استيقاظ العملاق» إلى أسئلة الواقع
في فبراير 2026، رافقت السلطات تدشين خط السكة الحديدية الرابط بين غار جبيلات وتندوف وبشار بحملة إعلامية واسعة، وقدمت المشروع باعتباره خطوة مفصلية نحو إطلاق الاستغلال الصناعي للمنجم.
ورُفع آنذاك شعار «استيقاظ العملاق»، في إشارة إلى حجم الرهان الذي تضعه الدولة على المشروع.
لكن الأشهر التي تلت التدشين لم تضع حدا للأسئلة المتعلقة بوتيرة الاستغلال الفعلية وحجم الإنتاج المنجز على الأرض.
وتزداد هذه الأسئلة حدة عندما تقارن التصريحات الرسمية الطموحة بما يظهر ميدانيا من منشآت وتجهيزات مرتبطة بسلسلة الإنتاج والتصدير.
صور ميدانية تعيد الجدل إلى الواجهة
خلال رحلة قام بها الرحالة والمؤثر القطري خالد الجابر في الصحراء الجزائرية، ظهرت صور ومقاطع من منطقة غار جبيلات أعادت النقاش حول مستوى جاهزية المشروع إلى الواجهة.
وأظهرت المقاطع المتداولة منطقة صحراوية شاسعة ومنشآت محدودة، وهو ما دفع منتقدي المشروع إلى التساؤل عن المسافة الفاصلة بين الصورة الدعائية للمشروع وبين واقع الإنتاج الصناعي الفعلي.
غير أن الصور وحدها لا تكفي للحكم على الجدوى النهائية لمنجم بهذا الحجم؛ إذ إن المشاريع التعدينية الكبرى تمر عادة بمراحل طويلة تشمل تطوير البنية التحتية، وإنشاء وحدات المعالجة، واختبارات الإنتاج، وربط المناجم بشبكات النقل والموانئ والأسواق.
المعيار الحاسم، في نهاية المطاف، يبقى كمية الحديد التي ستخرج فعليا من المنجم، وجودتها، وكلفة إنتاج الطن الواحد، وسعر بيعه، وحجم العائد الذي سيعود على الخزينة والاقتصاد الوطني.
بين حرية النقاش الاقتصادي وحماية الاستثمار
تكشف قضية جلول سلامة، بصرف النظر عن الموقف من تصريحاته، عن إشكالية أوسع تتعلق بحدود النقاش العام حول المشاريع الاقتصادية الكبرى.
فالمشاريع العملاقة لا تنجح بمجرد إطلاقها إعلاميا، وإنما تحتاج إلى دراسات جدوى قابلة للنقاش، وأرقام يمكن تدقيقها، ومؤشرات إنتاج يمكن قياسها، ونقد مهني قادر على كشف مواطن الخلل قبل تحولها إلى خسائر.
ومن هذا المنظور، فإن السؤال عن تكلفة مشروع أو مردوديته لا ينبغي، في الأصل، أن يُفهم باعتباره عرقلة للاستثمار، بل باعتباره جزءا طبيعيا من الرقابة الاقتصادية والمساءلة العمومية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأموال عامة واستثمارات بمليارات الدولارات.
غار جبيلات أمام الاختبار الحقيقي
بعد عقود من الانتظار، لم يعد التحدي بالنسبة لغار جبيلات هو إثبات وجود احتياطات ضخمة من الحديد؛ فذلك أمر معروف منذ عقود.
التحدي الحقيقي هو إثبات إمكانية استخراج هذا الحديد ومعالجته ونقله وتسويقه بكلفة تجعل المشروع مربحا وقادرا على المنافسة.
وهنا ستتكفل الأرقام وحدها بالإجابة.
فإذا بدأت الوحدات الصناعية في العمل، وخرجت شحنات منتظمة من الحديد، وانخفضت كلفة الإنتاج، وحققت الدولة عائدات تتناسب مع حجم الاستثمارات، فإن المشروع سيكون قد قدم بنفسه أقوى رد على منتقديه.
أما إذا استمر الفارق بين الوعود والأرقام الفعلية، فستبقى الأسئلة التي طرحها خبراء اقتصاديون وتقنيون قائمة، مهما كان مصير أصحابها.
وفي النهاية، لا تحتاج المشاريع الناجحة إلى إسكات منتقديها؛ الإنتاج هو الذي يجيب، والأرقام هي التي تحسم، والسوق هو الحكم الأخير على الجدوى الاقتصادية.


