سياسة

نبيل هرباز: “دبلوماسية الصمت”.. حين يصبح التوقيت جزءاً من معركة الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب

جسر بريس 5 دقائق للقراءة

جسر بريس | قراءة سياسية في خلفيات التريث المغربي إزاء زيارة العاهل الإسباني إلى سبتة ومليلية المحتلتين

في لحظات التوتر الدبلوماسي، لا تُقاس قوة الدول دائماً بحجم ردود أفعالها، ولا بحدة تصريحاتها، بل بقدرتها على اختيار اللحظة المناسبة للتحرك، وتحديد طبيعة الرسائل التي تريد إيصالها، وتقدير الكلفة السياسية والاستراتيجية لكل خطوة. ومن هذا المنطلق، يطرح الناشط والمدون المغربي المقيم بألمانيا، نبيل هرباز، قراءة سياسية لما أثارته زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية المحتلتين، واضعاً ما وصفه بـ«دبلوماسية الصمت» في صلب النقاش حول كيفية تدبير الملفات السيادية للمملكة.

ولا يتعلق الأمر، وفق هذه القراءة، بتبرير الصمت في حد ذاته، أو التقليل من رمزية المدينتين في الوجدان الوطني المغربي، وإنما بطرح سؤال أكثر عمقاً: هل يكون الرد الفوري، في جميع الظروف، هو الخيار الأكثر خدمة للمصالح الاستراتيجية للدولة، أم أن بعض المحطات تستدعي التريث لتفادي تحويل قضية وطنية إلى ورقة في الحسابات الحزبية والانتخابية للآخرين؟

سبتة ومليلية.. بين الرمزية الوطنية وحسابات السياسة الإسبانية

أعادت زيارة الملك الإسباني إلى المدينتين المحتلتين النقاش بشأن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، وحدود التقارب الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة، في ظل استمرار الخلاف حول الوضع القانوني والسياسي لسبتة ومليلية ضمن التصور المغربي لاستكمال وحدته الترابية.

وفي هذا السياق، يرى نبيل هرباز أن أي تصعيد غير محسوب مع مدريد قد يفتح المجال أمام القوى السياسية الإسبانية التي تتبنى مواقف متشددة تجاه المغرب، وفي مقدمتها حزب «فوكس» والحزب الشعبي، لاستثمار التوتر في خطاباتهما السياسية والانتخابية.

وتستند هذه القراءة إلى فرضية مفادها أن بعض الأزمات الثنائية قد تتحول، بفعل التنافس الحزبي، إلى أدوات للضغط على الحكومات أو إعادة ترتيب الأولويات داخل المشهد السياسي الإسباني. ومن ثم، فإن رد الفعل المغربي، بحسب هذا المنظور، ينبغي أن يراعي ليس فقط طبيعة الحدث، وإنما أيضاً البيئة السياسية التي يتحرك داخلها الطرف الآخر، والنتائج التي قد تترتب على أي مواجهة مفتوحة.

غير أن هذا الطرح لا يعني أن التريث يحسم وحده معادلة المصالح، أو أن كل تصعيد سيصب بالضرورة في مصلحة خصوم المغرب؛ بل يسلط الضوء على أهمية التمييز بين التعبير عن الموقف الوطني واختيار الوسائل الدبلوماسية الكفيلة بخدمته.

فالقضايا المرتبطة بالسيادة لا تفقد أهميتها بسبب غياب رد فوري، كما أن الصمت لا يكتسب قيمة استراتيجية تلقائياً، وإنما تتحدد دلالته وفق ما يرافقه من تحركات ومواقف ونتائج ملموسة.

الصحراء المغربية.. توقيت التحركات وحسابات الأمم المتحدة

ويمتد تحليل هرباز إلى ملف الصحراء المغربية، الذي يشكل أحد أبرز محددات السياسة الخارجية للمملكة، خصوصاً في ظل المسار الأممي الرامي إلى التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع.

ويحذر الناشط من أن التصعيد الميداني قبيل محطات أممية حساسة قد يمنح الأطراف المناوئة للمغرب فرصة لإعادة طرح قضايا حقوق الإنسان، والدفع نحو استمرار بعثة «المينورسو»، أو تكثيف الضغوط عبر المنظمات الدولية.

وتعكس هذه المخاوف تصوراً يرى أن إدارة النزاعات لا تنفصل عن إدارة التوقيت، وأن التحركات الميدانية والسياسية والإعلامية قد تتداخل في التأثير على المناخ الذي تُناقش فيه الملفات داخل المؤسسات الدولية.

لكن تقييم هذه الاحتمالات يظل مرتبطاً بطبيعة الوقائع الميدانية، ومواقف أعضاء مجلس الأمن، ومضمون النقاشات الأممية، ولا يمكن اعتبار أي تصعيد سبباً حتمياً لإعادة فتح ملفات بعينها أو تغيير موازين المواقف الدولية.

ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين حماية المصالح الوطنية وتدبير المسار الدبلوماسي على أساس حسابات دقيقة، بعيداً عن المبالغة في تقدير نتائج التحركات أو التعامل مع السيناريوهات المحتملة باعتبارها حقائق مؤكدة.

بين الدفاع عن الثوابت الوطنية ومزايدات اللحظة

وفي جانب آخر من تدوينته، انتقد هرباز ما يعتبره تناقضاً لدى بعض الأصوات التي تدعو اليوم إلى رد قوي على زيارة العاهل الإسباني أو على تحركات جبهة البوليساريو، بينما يرى أنها لم تُظهر المستوى نفسه من الحضور في محطات سابقة مرتبطة بالدفاع عن القضايا الوطنية.

ويضع هذا الانتقاد النقاش أمام إشكالية تتجاوز طبيعة الرد على زيارة ملكية، لتلامس العلاقة بين المواقف المبدئية والحسابات الظرفية، وبين الدفاع عن الثوابت الوطنية وتحويلها إلى شعارات للاستهلاك السياسي والإعلامي.

فالمطالبة برد فعل قوي لا تكفي وحدها لتقييم جدوى الموقف، كما أن الدعوة إلى التريث لا تعني بالضرورة التنازل عن المطالب المغربية. والمعيار الأساسي يظل مرتبطاً بمدى قدرة أي موقف على خدمة المصالح الوطنية، وتجنب النتائج العكسية، والحفاظ على هامش التحرك الدبلوماسي.

وفي المقابل، يظل النقاش المشروع بشأن كيفية التعامل مع مثل هذه التطورات ضرورياً، لأن التمسك بالثوابت الوطنية لا يتعارض مع تعدد وجهات النظر بشأن الوسائل المناسبة للدفاع عنها. كما أن اختلاف التقديرات لا ينبغي أن يتحول إلى تشكيك متبادل في النوايا أو إلى احتكار الخطاب الوطني.

«السياسة تُدار بالمصلحة والتوقيت، ماشي بالشعارات»

بهذه العبارة يلخص نبيل هرباز جوهر موقفه، معتبراً أن السياسة تقتضي قراءة موازين القوى، وفهم السياقات الإقليمية والدولية، وتقدير انعكاسات القرارات قبل اتخاذها.

وتحمل هذه المقاربة دعوة إلى عدم اختزال الدبلوماسية في ردود الفعل الآنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعلاقات استراتيجية تتشابك فيها الملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية، أو بقضايا سيادية تتطلب نفساً طويلاً وتراكماً في المواقف.

لكن نجاح «دبلوماسية الصمت» لا يُقاس بمجرد غياب التصريحات، بل بقدرتها على تحقيق نتائج تخدم المصالح الوطنية، وبمدى اقترانها بقنوات تواصل فعالة وخطوات عملية واضحة. فالصمت قد يكون أحياناً وسيلة لتفادي الاستفزاز، لكنه قد يثير أيضاً تساؤلات داخل الرأي العام إذا لم تتضح أهدافه أو مآلاته.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار المطلق بين الصمت والتصعيد، وإنما في تحديد متى يكون الحوار أكثر فاعلية، ومتى تصبح الإشارة الدبلوماسية ضرورية، ومتى يستدعي الموقف اتخاذ خطوات عملية للدفاع عن المصالح المغربية.

هل الصمت تكتيك أم موقف؟

بين المطالبين برد واضح على زيارة العاهل الإسباني إلى سبتة ومليلية المحتلتين، والداعين إلى التريث تفادياً لأي توظيف سياسي أو دبلوماسي محتمل، يطرح تحليل نبيل هرباز نقاشاً بشأن العلاقة بين رمزية القضايا الوطنية وحسابات تدبيرها في الواقع السياسي.

فالدفاع عن الوحدة الترابية لا يختزل في التصريحات، مثلما أن التريث لا يمثل في حد ذاته دليلاً على الفاعلية. وتبقى قيمة أي مقاربة رهينة بقدرتها على الجمع بين وضوح الثوابت، وحسن تقدير التوقيت، وفعالية الوسائل المعتمدة.

وفي انتظار اتضاح الموقف الرسمي المغربي من تداعيات هذه الزيارة، يظل السؤال الأهم هو كيفية تحويل إدارة التوتر إلى فرصة لحماية المصالح الاستراتيجية للمملكة، دون التفريط في المطالب الوطنية أو منح الخلافات الثنائية أبعاداً قد تتجاوز أهدافها الأصلية.

إنها معادلة دقيقة لا يكفي فيها رفع سقف الشعارات، كما لا يكفي فيها التعويل على الصمت؛ بل تتطلب دبلوماسية تجمع بين الحكمة والوضوح، وبين ضبط النفس والقدرة على التحرك عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *