المبيت الملكي في سبتة المحتلة يعيد ملف المدينتين إلى الواجهة.. هل تصنع الرمزية التاريخية شرعية السيادة ؟
زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومبيته فيها للمرة الأولى، وفق المعطيات المتداولة، يفتحان نقاشاً يتجاوز البروتوكول الملكي إلى دلالات السيادة والذاكرة التاريخية ومستقبل العلاقات المغربية الإسبانية.
أعاد المبيت الذي نُسب إلى العاهل الإسباني فيليبي السادس، رفقة الملكة ليتيزيا، في مدينة سبتة ليلة 13 أكتوبر 2026، ملف المدينتين المحتلتين إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، بعدما اكتسبت الزيارة أبعاداً تتجاوز طابعها الرسمي إلى رسائل رمزية مرتبطة بحضور الدولة الإسبانية في المدينة، وبموقع سبتة ومليلية في الذاكرة الوطنية المغربية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة، في حال تأكدت تفاصيلها التاريخية والبروتوكولية، في كونها تطرح سؤالاً جوهرياً حول وظيفة الرمزية الملكية في تدبير القضايا السيادية: هل يمكن لحضور رمزي، مهما كانت مكانة صاحبه، أن يغير طبيعة نزاع تاريخي وسياسي قائم؟ أم أن الأمر يتعلق برسالة سياسية موجهة إلى الداخل الإسباني، هدفها إظهار استمرار ارتباط مؤسسات الدولة بالمدينتين، في سياق إقليمي تتداخل فيه اعتبارات الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاستراتيجية؟
من البروتوكول الملكي إلى الرسائل السياسية
لا تُختزل الزيارات الملكية في الصور الرسمية أو تفاصيل الإقامة والتنقل؛ فهي، في كثير من الأحيان، أدوات للتعبير عن مواقف الدولة وتأكيد حضورها الرمزي في مناطق تعتبرها جزءاً من مجالها السياسي والإداري. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة المبيت في سبتة بوصفه خطوة تحمل دلالة داخلية إسبانية، ترمي إلى إظهار أن المدينة ليست مجرد نقطة جغرافية بعيدة عن شبه الجزيرة الإيبيرية، بل فضاء تحرص المؤسسة الملكية على إبراز ارتباطها به.
غير أن الرسالة التي تريد مدريد إيصالها إلى جمهورها الداخلي ليست بالضرورة هي الرسالة التي ستتلقاها الرباط. ففي المغرب، تندرج سبتة ومليلية ضمن ملف تاريخي وسياسي يرتبط بالذاكرة الوطنية وبمسألة استكمال الوحدة الترابية، وهو ما يجعل أي تحرك رسمي إسباني في المدينتين قابلاً لتأويلات تتجاوز الحسابات البروتوكولية.
وهنا تكمن حساسية الخطوة: ما قد تعتبره المؤسسات الإسبانية ممارسة عادية للسيادة التي تدعيها على المدينتين، قد يراه جزء من الرأي العام المغربي تكريساً لوضع تاريخي لم يُحسم سياسياً في نظره. وبين القراءتين، تتحول زيارة ملكية إلى مناسبة لإعادة طرح سؤال مؤجل في العلاقات بين البلدين.
لماذا تكتسب الإقامة الملكية دلالة تاريخية؟
تستند بعض القراءات المتداولة إلى روايات تاريخية تفيد بأن ملوكاً إسباناً سابقين فضلوا الإقامة على متن سفن خلال زياراتهم إلى سبتة، فيما اكتفى خوان كارلوس الأول، خلال زيارته سنة 2007، بإقامة قصيرة أثارت توتراً دبلوماسياً مع المغرب.
وتحتاج التفاصيل المتعلقة بأسماء السفن وتواريخ الإقامة ومدد الزيارات إلى التوثيق من الأرشيفات والمراجع التاريخية قبل تقديمها باعتبارها وقائع محسومة. لكن القيمة التحليلية لهذه الروايات تكمن في السؤال الذي تثيره: كيف تطورت الرمزية الملكية الإسبانية في التعامل مع المدينتين، وما الذي يجعل زيارة بعينها تتحول إلى حدث سياسي يتجاوز حدودها الزمنية؟
إن الانتقال، إن ثبت تاريخياً، من زيارات قصيرة أو إقامات بحرية إلى المبيت داخل المدينة، يمكن أن يُقرأ باعتباره تطوراً في أسلوب التعبير عن الحضور الإسباني. لكنه لا يكفي وحده لإثبات تحول قانوني أو دبلوماسي في وضع المدينة، مثلما لا يمكن اعتبار الامتناع عن المبيت، في حد ذاته، دليلاً قاطعاً على موقف قانوني سابق.
فالرمزية مهمة في السياسة، لكنها ليست بديلاً عن الوقائع الموثقة، ولا عن القانون، ولا عن التفاوض الدبلوماسي. وقد تكون للخطوة قيمة سياسية في الداخل الإسباني من دون أن تؤدي تلقائياً إلى تغيير في مواقف المغرب أو في طبيعة الخلاف بين البلدين.
السيادة لا تُحسم بالصور وحدها
من أبرز الأسئلة التي تثيرها الزيارة مدى قدرة الرموز السياسية على تثبيت رواية تاريخية واحدة في مواجهة رواية أخرى. فالصورة التي يظهر فيها الملك داخل سبتة قد تعزز لدى قطاعات من المجتمع الإسباني الشعور باستمرارية ارتباط المدينة بالدولة، لكنها لا تنهي النقاش المغربي بشأن المدينتين، ولا تلغي حضور هذا الملف في الوعي السياسي والوطني للمغاربة.
وفي المقابل، فإن التعبير عن الموقف المغربي لا يكتمل بالشعارات أو بردود الفعل العاطفية وحدها، بل يحتاج إلى خطاب دبلوماسي متماسك، وإلى استحضار دقيق للوثائق التاريخية والقانونية، وإلى قدرة على إدارة المصالح المشتركة مع إسبانيا من دون التفريط في القضايا التي يعتبرها المغرب جزءاً من وحدته الترابية.
ذلك أن العلاقات المغربية الإسبانية لا تقوم على ملف واحد؛ فهي تشمل التجارة والاستثمار والأمن والهجرة والتعاون القضائي ومكافحة الإرهاب، فضلاً عن المصالح المرتبطة بالفضاء المتوسطي. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في منع أي خطوة رمزية من التحول إلى أزمة مفتوحة، مع الحفاظ على حق المغرب في التعبير عن موقفه من سبتة ومليلية عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية.
اختبار جديد للعلاقات المغربية الإسبانية؟
لا يمكن فصل هذه الزيارة عن طبيعة العلاقة بين الرباط ومدريد، وهي علاقة أثبتت قدرتها على الجمع بين التعاون العملي واستمرار ملفات الخلاف. فالتقارب في عدد من المجالات لا يعني اختفاء التباينات التاريخية، كما أن استمرار الخلاف بشأن المدينتين لا يفرض بالضرورة تعطيل مجالات التعاون الأخرى.
ومن هنا، فإن التعامل المغربي مع الزيارة يقتضي التمييز بين الرسالة الرمزية الموجهة إلى الداخل الإسباني وبين أي تطور ملموس قد يمس المصالح المغربية أو يغير معطيات الملف سياسياً ودبلوماسياً. كما يقتضي عدم الخلط بين إثارة قضية تاريخية في الخطاب العام وبين تحقق تغيير في الوضع القانوني أو في موازين التفاوض.
أما مدريد، فإن قدرتها على الحفاظ على علاقات مستقرة مع الرباط تظل مرتبطة، ضمن عوامل أخرى، بمدى مراعاة حساسية القضايا التي تحظى بمكانة خاصة في الوعي المغربي، وبقدرتها على إدارة الخلافات من دون تحويلها إلى أدوات ضغط متبادل.
الخلاصة: ما بعد المبيت أهم من المبيت نفسه
إن المبيت الملكي في سبتة، إذا تأكدت تفاصيله، يكتسب أهميته أساساً من الرسائل السياسية التي يمكن أن يحملها، لا من كونه حدثاً بروتوكولياً في حد ذاته. فهو يعيد طرح أسئلة السيادة والذاكرة والتاريخ، ويكشف استمرار التباين في كيفية نظر البلدين إلى المدينتين.
لكن السياسة لا تُقاس بالصور وحدها، كما أن القضايا التاريخية لا تُحسم بليلة إقامة أو بخطاب احتفالي. فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الخطوة ستبقى ضمن حدود الرمزية الداخلية الإسبانية، أم ستنعكس على الخطاب الرسمي ومسار العلاقات الثنائية.
وبالنسبة إلى المغرب، يظل الرهان في بناء موقف متوازن يجمع بين التمسك بثوابته الوطنية، والاستناد إلى التوثيق التاريخي والقانوني، والحفاظ على قنوات الحوار والمصالح المشتركة. فالقضايا السيادية تحتاج إلى نفس دبلوماسي طويل، وإلى حجج موثقة، وإلى رؤية استراتيجية تتجاوز رد الفعل الآني نحو تدبير مستمر للملفات المعقدة


