الدبلوماسية الملكية وإعادة هندسة موازين القوة: كيف حصّن المغرب استقلال قراره السيادي في مواجهة القوى الكبرى ؟
في العلاقات الدولية، لا يُختبر استقلال الدول حين تتوافق مصالحها مع مصالح القوى الكبرى، بل حين تتعارض معها. ففي لحظات الاختلاف تحديدًا، تتكشف حقيقة السيادة، وتظهر قدرة الدولة على حماية خياراتها الوطنية دون التفريط في شراكاتها الاستراتيجية، كما يتضح ما إذا كانت علاقاتها الخارجية قائمة على التوافق المتبادل أم على تفاوت في القوة يسمح للطرف الأقوى بفرض أولوياته على الطرف الأضعف.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اختزال الدبلوماسية في إدارة الاتصالات الرسمية أو احتواء الأزمات أو المحافظة على علاقات مستقرة مع العواصم المؤثرة. فالدبلوماسية الفاعلة هي، قبل كل شيء، القدرة على تدبير الاختلاف، والتحكم في كلفته، وتحويل المصالح المتبادلة إلى عناصر مؤثرة في حسابات الشركاء، بما يضمن للدولة هامشًا أوسع لاتخاذ قراراتها وفق أولوياتها الوطنية.
وفي هذا السياق، تكتسب التجربة المغربية خلال عهد جلالة الملك محمد السادس أهمية خاصة، بالنظر إلى ما عرفته العلاقات الخارجية للمملكة من أزمات وتوترات مع قوى دولية وازنة، من الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا إلى ألمانيا والسويد، وما رافق هذه المحطات من تحولات في المواقف السياسية بشأن قضية الصحراء المغربية وشروط التعاون الثنائي.
لقد أبانت هذه التجارب، على اختلاف سياقاتها ونتائجها، عن سعي المغرب إلى ترسيخ معادلة استراتيجية تقوم على ثبات المصالح الوطنية ومرونة الوسائل الدبلوماسية، وعلى رفض تحويل تفاوت الإمكانات إلى تفاوت في الحق في اتخاذ القرار السيادي.
إن السؤال المركزي هنا ليس ما إذا كان المغرب قادرًا على منافسة القوى الكبرى في حجم الاقتصاد أو القدرات العسكرية أو النفوذ العالمي، وإنما كيف يستطيع، انطلاقًا من موقعه وإمكاناته وشبكة شراكاته، التأثير في حسابات هذه القوى عندما تتعارض توجهاتها مع مصالحه الأساسية؟
تلك هي المسألة التي تفتح الباب أمام قراءة أعمق لما يمكن تسميته عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية؛ أي مجموع المبادئ والآليات التي تسعى المملكة من خلالها إلى حماية استقلال قرارها، وتنويع خياراتها، وإعادة التفاوض بشأن شروط علاقاتها الخارجية، دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة تستنزف مواردها أو تقوض مصالحها طويلة الأمد.
السيادة ليست امتيازًا تمنحه القوى الكبرى
«فالمغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد».
لم تكن هذه العبارة، التي وردت في الخطاب الملكي أمام القمة المغربية الخليجية بالرياض في 20 أبريل 2016، مجرد تعبير سياسي عن رفض التبعية، بل حملت دلالة استراتيجية تتجاوز سياقها المباشر. فهي تؤسس لمبدأ واضح مفاده أن التحالفات، مهما بلغت أهميتها، لا تلغي استقلال الدولة، وأن متانة الشراكات لا تُقاس بمدى تطابق المواقف في كل الملفات، وإنما بقدرتها على استيعاب الاختلاف واحترام المصالح السيادية المتبادلة.
وتكمن أهمية هذا التصور في أنه يميز بين أمرين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما في تحليل العلاقات الدولية: امتلاك الدولة حقها السيادي في اتخاذ القرار، وامتلاكها الموارد والقدرات التي تمكّنها من ممارسة هذا الحق بأقل قدر من الضغوط الخارجية.
فالسيادة، من الناحية القانونية والسياسية، حق أصيل للدولة. لكنها، من الناحية الاستراتيجية، تحتاج إلى اقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات فعالة، وشبكات تعاون متعددة، وبدائل تمنع تحول الاعتماد على شريك معين إلى أداة للضغط السياسي.
ومن هنا، فإن الاستقلال الاستراتيجي لا يعني الانغلاق أو الانفصال عن القوى المؤثرة، ولا يستلزم الوقوف على مسافة واحدة من مختلف الأقطاب الدولية. بل يقوم على إدارة شبكة من العلاقات تسمح للدولة بالتعاون مع أطراف متعددة، مع الاحتفاظ بحرية تحديد أولوياتها ومصالحها العليا.
وفي الحالة المغربية، يتصل هذا المبدأ بقضية الصحراء المغربية بوصفها ملفًا مركزيًا في السياسة الخارجية للمملكة. فقد أكد جلالة الملك محمد السادس، في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب يوم 20 غشت 2022، أن «ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات».
بهذا التحديد، أصبحت العلاقة بين الموقف من الوحدة الترابية للمملكة ومصداقية الشراكات الخارجية أكثر وضوحًا. ولم يعد التعاون الاقتصادي أو الأمني كافيًا وحده لتقييم العلاقة، إذا ظل الموقف السياسي من قضية الصحراء المغربية محاطًا بالغموض أو التردد.
غير أن هذا لا يعني أن جميع الملفات الأخرى تفقد أهميتها، أو أن كل اختلاف بشأن الصحراء يؤدي بالضرورة إلى القطيعة. بل يعني أن هناك تراتبية للمصالح، تتقدم فيها القضايا المرتبطة بالسيادة والوحدة الترابية على اعتبارات ظرفية، مع استمرار الحاجة إلى تقدير الكلفة والنتائج واختيار الأدوات الملائمة لكل حالة.
وهنا تحديدًا تتجلى خصوصية المقاربة المغربية: ثبات في الغايات، ومرونة في الوسائل، واستعداد لإعادة تقييم شروط الشراكة عندما تتعارض مع المصالح السيادية للمملكة.
أولًا: واشنطن.. كيف واجه المغرب اختلال القوة دون تفكيك التحالف؟
تقدم الأزمة المغربية الأمريكية سنة 2013، خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، نموذجًا دالًا على تعقيدات الدفاع عن المصالح السيادية في مواجهة قوة عظمى تربطها بالمملكة شراكة أمنية واقتصادية عميقة.
فقد أثار المقترح الأمريكي الرامي إلى توسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية، المينورسو، لتشمل مراقبة حقوق الإنسان اعتراضًا مغربيًا قويًا. ولم يكن الخلاف متعلقًا بتفصيل تقني في ولاية بعثة أممية فحسب، بل بمخاوف الرباط من تغيير طبيعة المهمة الدولية وإحداث تحول في التوازنات السياسية المحيطة بالنزاع.
كانت واشنطن، بحكم موقعها داخل مجلس الأمن وقدرتها على التأثير في مسارات التسوية، تمتلك أدوات ضغط ونفوذ لا تتوافر للمغرب بالمستوى نفسه. ومع ذلك، فإن اختلال ميزان القوة لم يكن يعني أن الولايات المتحدة تستطيع اتخاذ قراراتها دون احتساب تداعياتها على علاقاتها مع شركائها.
فالعلاقة الثنائية لم تكن محصورة في ملف الصحراء، بل ارتكزت على تعاون عسكري وأمني واستخباراتي، واتفاقية للتبادل الحر، ومصالح إقليمية مشتركة. كما أن منح المغرب صفة حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي سنة 2004 عزز الإطار المؤسسي للتعاون الدفاعي بين البلدين.
وقد اتجهت الدبلوماسية المغربية إلى الاعتراض السياسي والدبلوماسي على المقترح، مع الحفاظ على قنوات التواصل. وفي أبريل 2013، اعتمد مجلس الأمن القرار 2099 دون إدراج توسيع ولاية المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان. ثم جاءت زيارة الملك محمد السادس إلى واشنطن في نوفمبر من السنة نفسها لتؤكد استمرار الشراكة الاستراتيجية، في ظل دعم أمريكي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها مقترحًا جديًا وواقعيًا وذا مصداقية.
تكمن الدلالة هنا في الفصل بين الاعتراض على توجه محدد والمحافظة على التحالف الأوسع. فلم تكن الغاية الدخول في مواجهة شاملة مع واشنطن، وإنما منع انتقال الخلاف إلى تغيير في المرجعيات الدولية المنظمة للملف، مع حماية المصالح المشتركة التي تمنح استمرار التعاون قيمة للطرفين.
ويمكن وصف هذه المقاربة بـالردع الدبلوماسي غير التصادمي، أي إظهار أن تجاهل المصالح الأساسية للمغرب ليس أمرًا خاليًا من الكلفة السياسية، دون تحويل الاختلاف إلى قطيعة شاملة.
لكن من الضروري التمييز بين احتواء أزمة 2013 وبين التطور اللاحق للموقف الأمريكي. فقد انتهت الأزمة دون توسيع ولاية المينورسو، إلا أن إدارة أوباما لم تعترف بالسيادة المغربية على الصحراء.
وجاء التحول الأكبر في ديسمبر 2020، خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، عندما أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء المغربية، في سياق تفاهمات أوسع شملت استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية.
ولا يمكن تفسير هذا التحول باعتباره نتيجة مباشرة لأزمة 2013 وحدها، أو ثمرة عامل دبلوماسي منفرد. فقد تداخلت فيه استمرارية العلاقات الثنائية، والمصالح الاستراتيجية، والتحولات الإقليمية، وحسابات الإدارة الأمريكية آنذاك.
ومع ذلك، فإن التسلسل التاريخي يكشف عن أهمية الرؤية طويلة النفس في السياسة الخارجية: فالدولة التي تحافظ على شراكتها، وتدافع عن موقفها السيادي، وتراكم عناصر التعاون والتأثير، قد تجد نفسها في موقع أفضل عندما تتغير البيئة الدولية وتتبدل أولويات الشركاء.
الدرس الاستراتيجي من واشنطن هو أن مواجهة الاختلال في القوة لا تستوجب دائمًا مواجهة القوة نفسها؛ فقد يكون الأجدى التأثير في حساباتها، والمحافظة على المصالح المشتركة، وانتظار اللحظة التي تسمح بتحويل التراكم الدبلوماسي إلى مكسب سياسي أكبر.
ثانيًا: جزيرة ليلى.. إدارة التصعيد عندما تصبح الجغرافيا اختبارًا للسيادة
إذا كانت الأزمة الأمريكية قد دارت أساسًا حول مرجعيات سياسية داخل المسار الأممي، فإن أزمة جزيرة ليلى سنة 2002 وضعت المغرب وإسبانيا أمام اختبار مختلف، اقترب فيه الخلاف من الاحتكاك العسكري المباشر.
فقد أدى النزاع بشأن الجزيرة إلى تدخل عسكري إسباني لإزالة الوجود المغربي، في سياق اتسم بحساسية جغرافية وسياسية واضحة. ولم تكن أهمية الجزيرة نابعة من مساحتها أو قيمتها الاقتصادية المباشرة، بل من رمزيتها السيادية وما كان يمكن أن تترتب عن الحادث من تداعيات على العلاقات الثنائية.
كانت إسبانيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وتتمتع بتفوق عسكري ومؤسساتي واضح. ولذلك، فإن استمرار التصعيد كان يحمل مخاطر لا تتناسب مع القيمة الميدانية المحدودة للجزيرة.
وانتهت الأزمة بوساطة أمريكية قادها وزير الخارجية آنذاك كولن باول، وأُعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل الأزمة، دون حسم الخلاف القانوني بشأن السيادة على الجزيرة.
تكشف هذه التجربة عن أهمية التمييز بين الدفاع عن الموقف السيادي وبين الإصرار على استمرار المواجهة مهما ارتفعت تكلفتها. فإدارة الأزمات لا تعني بالضرورة حسم جميع الملفات المرتبطة بها، بل قد تتطلب أحيانًا إنهاء الاحتكاك المباشر مع إبقاء الخلاف الأصلي ضمن المسارات السياسية والدبلوماسية.
وهنا تبرز السيادة الزمنية الدبلوماسية بوصفها القدرة على اختيار اللحظة المناسبة لوقف التصعيد، ومنع حادث محدود من التحول إلى مواجهة أوسع.
لكن هذه المقاربة لا تعني أن كل تراجع تكتيكي يمثل مكسبًا استراتيجيًا، أو أن تجنب المواجهة يكفي وحده لضمان المصالح الوطنية. فنجاح إدارة الأزمة يتوقف على ما إذا كان احتواء التصعيد يحمي المصالح الأساسية، ويمنع خسائر أكبر، ويترك للدولة خيارات عملية لمواصلة الدفاع عن موقفها.
ومن ثم، فإن المقارنة بين أزمة ليلى وأزمة المينورسو تكشف عن قاعدة مهمة: لا توجد أداة دبلوماسية واحدة تصلح لكل الحالات. فالتعامل مع خطر عسكري مباشر يختلف عن التعامل مع مبادرة سياسية داخل مجلس الأمن، حتى عندما يرتبط الملفان بمبدأ السيادة.
ثالثًا: فرنسا.. نهاية الامتياز التاريخي وبداية إعادة التفاوض
تحتل الأزمة المغربية الفرنسية مكانة خاصة في تطور العلاقات الخارجية للمملكة، بالنظر إلى عمق الروابط التاريخية والاقتصادية والثقافية التي تجمع البلدين.
فقد ظلت فرنسا لعقود أحد أبرز الشركاء التجاريين والاستثماريين للمغرب، كما ارتبطت العلاقة بينهما بشبكات واسعة من المصالح البشرية والمؤسساتية. غير أن هذه الروابط لم تمنع تصاعد التوتر خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024.
وتراكمت أسباب الخلاف على خلفية تقليص التأشيرات، والاتهامات المتعلقة ببرنامج بيغاسوس التي نفاها المغرب، والتباينات بشأن الموقف الفرنسي من الصحراء المغربية، إلى جانب التحولات الجيوسياسية التي عرفتها منطقة الساحل الأفريقي.
ولم يكن الأمر يتعلق بأزمة ثنائية معزولة عن محيطها الدولي. فقد شهد النفوذ الفرنسي في عدد من دول الساحل تراجعًا ملحوظًا، في وقت وسع فيه المغرب حضوره الاقتصادي والدبلوماسي في أفريقيا، وعزز شراكاته مع دول القارة، وطوّر مشروعات مرتبطة بالموانئ واللوجستيك والطاقة والربط الأطلسي.
وفي هذه البيئة المتغيرة، لم يعد الإرث التاريخي كافيًا لضمان استمرار العلاقة وفق المرجعيات السابقة. وأصبح مطلوبًا من الشراكة أن تعكس التحولات في المصالح وموقع كل طرف داخل التوازنات الإقليمية.
وقد اتسمت المرحلة ببرود سياسي وتراجع في الثقة، لكن المصالح الاقتصادية والأمنية والبشرية المشتركة حالت دون انهيار العلاقة بصورة شاملة.
وفي يوليو 2024، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن حاضر ومستقبل الصحراء المغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية، معتبرًا أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل الإطار الذي ترى فرنسا من خلاله معالجة النزاع. ثم أكد هذا التوجه خلال زيارته الرسمية إلى المغرب في أكتوبر من السنة نفسها.
وشكل ذلك تحولًا مهمًا في المرجعية الفرنسية المعلنة بشأن قضية الصحراء المغربية، وفتح المجال أمام إعادة إطلاق الشراكة السياسية والاقتصادية بين البلدين.
ومع ذلك، فإن التحليل الدقيق يقتضي عدم اختزال هذا التحول في الضغط الدبلوماسي المغربي وحده. فقد تداخلت فيه اعتبارات المصالح الفرنسية في أفريقيا، والتنافس الدولي، والحسابات الاقتصادية والأمنية، وتطور مواقف دول مؤثرة أخرى من النزاع.
لكن هذا لا يقلل من أهمية النتيجة السياسية، بل يبرز طبيعة العمل الدبلوماسي الفعال: فالتأثير لا يعني التحكم المنفرد في قرارات الآخرين، وإنما القدرة على جعل مصالح الدولة حاضرة بقوة في حسابات الشريك عندما يعيد تقييم خياراته.
وتكشف الأزمة الفرنسية عن مفهوم إعادة تراتبية الشراكات، حيث لا يعود قدم العلاقة أو عمقها التاريخي ضمانة دائمة لاستمرار موقع الشريك، بل يصبح ذلك الموقع مرتبطًا بقدرته على التكيف مع المصالح الاستراتيجية المتجددة للمغرب.
لقد انتقلت العلاقة من مرحلة كان فيها الإرث التاريخي عاملًا مركزيًا في تحديد طبيعتها، إلى مرحلة تتطلب توافقًا سياسيًا متجددًا، وتوازنًا أوضح بين المصالح الاقتصادية والمواقف السيادية.
والأهم أن المغرب لم يتجه إلى القطيعة النهائية مع فرنسا، بل سعى إلى إعادة بناء العلاقة على أساس سياسي أكثر وضوحًا. وهنا يتجلى الفرق بين الدبلوماسية القائمة على الانفعال والدبلوماسية التي تستثمر الأزمة لإعادة التفاوض بشأن شروط الشراكة.
رابعًا: إسبانيا في عهد سانشيز.. من أزمة الثقة إلى إعادة ضبط المرجعيات
تقدم الأزمة المغربية الإسبانية سنة 2021 مثالًا واضحًا على تأثير الترابط الجغرافي والاقتصادي والأمني في إدارة الخلافات بين الدول.
فقد أدى استقبال السلطات الإسبانية زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، في ظروف اعتبرتها الرباط مساسًا بالثقة بين البلدين، إلى أزمة دبلوماسية حادة. ثم كشفت أحداث الهجرة غير النظامية في سبتة عن حجم الترابط بين العلاقات السياسية والتعاون الحدودي والأمني.
فالمغرب وإسبانيا ليسا مجرد دولتين متجاورتين؛ إنهما جزء من منظومة جغرافية واقتصادية متشابكة، تتداخل فيها التجارة البحرية، وحركة الأشخاص، ومراقبة الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، والتعاون في مواجهة التهديدات الأمنية.
وقد جعل هذا الترابط تكلفة القطيعة مرتفعة بالنسبة إلى الطرفين، وإن اختلفت طبيعة الأعباء التي يتحملها كل منهما.
وفي مارس 2022، أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز اعتبار المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية. ثم جاءت زيارته إلى الرباط في أبريل، ولقاؤه جلالة الملك محمد السادس، لتدشن مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية.
وأفضى ذلك إلى اعتماد خارطة طريق مشتركة تضمنت مبادئ تتعلق بالاحترام المتبادل، والتواصل الدائم، والشفافية، وتجنب الإجراءات الأحادية، وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي والحدودي.
لم يكن التحول الإسباني اعترافًا قانونيًا صريحًا بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، لكنه مثل انعطافة سياسية مهمة نقلت مدريد إلى موقف أكثر وضوحًا في دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
كما أن هذا التحول لم يؤدِّ إلى تسوية جميع الملفات الخلافية بين البلدين، بما فيها القضايا المرتبطة بسبتة ومليلية وترسيم الحدود البحرية، التي تظل خاضعة لحسابات تاريخية وقانونية وجيوسياسية مستقلة.
ومن هنا، فإن قيمة التحول الإسباني تكمن في تغيير المرجعية السياسية المعلنة بشأن الصحراء المغربية، وفي بناء إطار مؤسساتي يسمح بتطوير التعاون، لا في افتراض انتهاء جميع أسباب الخلاف.
وتكشف هذه التجربة عن أهمية هندسة الاعتماد المتبادل، أي تحويل المصالح المشتركة من مجرد روابط اقتصادية وأمنية إلى عناصر تؤثر في حسابات القرار السياسي.
غير أن الاعتماد المتبادل لا يمنح الدولة نفوذًا تلقائيًا. فكلما استطاع الشريك بناء بدائل للممرات التجارية أو مصادر الطاقة أو ترتيبات التعاون الأمني، تراجعت قدرة الطرف الآخر على استخدام موقعه بوصفه ورقة تفاوضية.
لذلك، فإن القوة الجغرافية لا تتحدد بالموقع وحده، بل بقدرة الدولة على تنظيم وظائفه الاقتصادية واللوجستية والأمنية، وعلى جعل التعاون معها أكثر جدوى من البحث عن بدائل مكلفة.
وهنا تتضح أهمية تطوير الموانئ والبنيات التحتية وشبكات الربط التجاري والطاقي، وتوسيع الحضور الاقتصادي للمغرب في أفريقيا، باعتبارها عناصر تساعد على تحويل الموقع الجغرافي إلى مورد استراتيجي طويل الأمد.
ومن هذا المنظور، تكتسب عقيدة حزام الممرات (StraitBelt Doctrine)، التي سبق أن تناولتُ مرتكزاتها النظرية والجيوستراتيجية، أهميتها ضمن تصور أوسع للقوة المغربية، يقوم على أن النفوذ في النظام الدولي المعاصر لا يرتبط فقط بالسيطرة على المجال، وإنما كذلك بالقدرة على تنظيم التدفقات التجارية والطاقية واللوجستية والتأثير في شبكات الترابط بين أفريقيا وأوروبا والفضاء الأطلسي.
فكلما ارتفعت مساهمة المغرب في تأمين هذه التدفقات وتنظيمها، ازدادت أهميته في الحسابات الاستراتيجية لشركائه. وعندئذ لا تبقى الجغرافيا مجرد معطى ثابت، بل تتحول إلى قدرة سياسية واقتصادية قابلة للتطوير.
خامسًا: ألمانيا.. إعادة بناء الثقة وتأسيس إطار مؤسساتي جديد
كشفت الأزمة مع ألمانيا سنة 2021 عن تعقيدات العلاقة بين التعاون الاقتصادي والتفاهم السياسي.
فقد تصاعد التوتر على خلفية الموقف الألماني من الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، إلى جانب خلافات أخرى، من بينها تباينات مرتبطة بالملف الليبي. وقررت الرباط تعليق اتصالات مؤسسات حكومية مع السفارة الألمانية في مارس 2021، قبل استدعاء سفيرتها من برلين للتشاور في ماي من السنة نفسها.
وكانت ألمانيا شريكًا مهمًا للمغرب في الصناعة والاستثمار والطاقات المتجددة والتعاون التنموي. ولذلك، فإن استمرار الخلاف كان يهدد علاقة متعددة الأبعاد، تتجاوز المجال السياسي إلى مصالح اقتصادية ومؤسساتية واسعة.
ومع تشكيل الحكومة الألمانية الجديدة بقيادة أولاف شولتس، بدأت عملية استعادة الثقة. وفي يناير 2022، وجه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير رسالة إلى الملك محمد السادس أشاد فيها بالعلاقات الثنائية وبالمبادرة المغربية للحكم الذاتي. ثم استؤنف التواصل السياسي، وصولًا إلى الإعلان المشترك الصادر في أغسطس 2022.
وأكد الموقف الألماني أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تمثل جهدًا جديًا وذا مصداقية وأساسًا جيدًا للتوصل إلى حل متوافق عليه في إطار الأمم المتحدة.
وتبرز هنا أهمية دبلوماسية إعادة التأسيس، التي لا تكتفي بإعادة الاتصالات بعد الأزمة، بل تسعى إلى إنشاء إطار سياسي ومؤسساتي يسمح بتقليص احتمالات تكرارها.
فاستعادة العلاقات تعني عودة قنوات الحوار إلى العمل، أما إعادة التأسيس فتعني محاولة معالجة أسباب الخلاف، وتحديد مرجعيات أكثر وضوحًا، وتطوير آليات للتشاور المستمر.
ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار كل عودة إلى الحوار انتصارًا كاملًا لطرف على آخر. فالدول تعيد تقييم مواقفها أيضًا بفعل تغير الحكومات والبيئات الإقليمية والأولويات الاقتصادية. ويظل الإنجاز الدبلوماسي الأهم هو القدرة على حماية المصالح الأساسية مع إبقاء المجال مفتوحًا لتعاون مستدام.
وتؤكد الحالة الألمانية أن الصبر السياسي لا يكفي وحده لتحقيق النتائج، بل يحتاج إلى مصالح مشتركة، وتغير في الحسابات، وإرادة متبادلة لإعادة بناء الثقة.
سادسًا: السويد.. استباق القرار قبل أن يتحول إلى سابقة أوروبية
اختلفت الأزمة مع السويد عن الأزمات السابقة، لأنها ارتبطت بمحاولة منع تحول توجه سياسي وبرلماني إلى قرار حكومي رسمي بشأن الاعتراف بالكيان الانفصالي.
فقد برز داخل البرلمان السويدي توجه يدعو إلى الاعتراف بما يسمى «الجمهورية الصحراوية»، ثم اكتسب هذا النقاش زخمًا مع وصول ائتلاف الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر إلى الحكم سنة 2014.
وكانت حساسية المسألة بالنسبة إلى المغرب تتجاوز العلاقة الثنائية مع ستوكهولم، بالنظر إلى احتمال تأثير اعتراف سويدي في النقاشات الأوروبية بشأن النزاع.
ففي العلاقات الدولية، لا تقتصر أهمية القرارات على آثارها المباشرة، بل قد تمتد إلى قدرتها على إنتاج سوابق تستند إليها دول أخرى. ومن ثم، فإن منع صدور قرار غير مواتٍ قد يكون أحيانًا أكثر أهمية من محاولة تغيير قرار بعد اعتماده.
وفي هذا السياق، تحركت الدبلوماسية المغربية على المستويات السياسية والبرلمانية والدبلوماسية، في وقت شهدت فيه العلاقات توترات امتدت إلى بعض المصالح الاقتصادية.
وفي يناير 2016، أعلنت الحكومة السويدية أنها لا تعتزم الاعتراف بما يسمى «الجمهورية الصحراوية»، وهو ما حال دون تحول التوجه البرلماني إلى قرار حكومي بالاعتراف.
وتبرز هذه الحالة مفهوم الدبلوماسية الاستباقية للسوابق، التي تستهدف التأثير في البيئة التي يتشكل داخلها القرار قبل أن يصبح التزامًا رسميًا.
وتتصل هذه المقاربة بالتوجيه الملكي الوارد في خطاب 11 أكتوبر 2013، حين دعا جلالة الملك محمد السادس إلى «الأخذ بزمام الأمور، واستباق الأحداث والتفاعل الإيجابي معها».
فالدبلوماسية المعاصرة لم تعد محصورة في وزارات الخارجية والسفارات، بل تشمل البرلمانات والأحزاب ومراكز التفكير والمؤسسات الاقتصادية والرأي العام. وقد يصبح التأثير في هذه البيئات عنصرًا حاسمًا في منع نشوء أزمة أو تغيير مسارها.
وفي يناير 2026، تطور الموقف السويدي نحو دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسًا ذا مصداقية للمفاوضات في إطار قرار مجلس الأمن 2797، مع تأكيد ضرورة التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه يحترم القانون الدولي.
ويعكس هذا المسار انتقالًا من مرحلة منع الاعتراف إلى مرحلة دعم مقترح التسوية المغربي، وإن كان من الضروري التمييز بين الموقفين من حيث طبيعة الالتزام السياسي ومضمونه.
وتوضح المقارنة بين السويد وألمانيا أن التدبير الدبلوماسي يمكن أن يتخذ مسارين مختلفين: منع نشوء سابقة سياسية في الحالة الأولى، وإعادة بناء الثقة بعد أزمة قائمة في الحالة الثانية.
والقاسم المشترك هو أن التأثير في القرار الخارجي يبدأ أحيانًا قبل لحظة اتخاذه رسميًا، من خلال فهم المؤسسات ومراكز التأثير وتقدير اتجاهات النقاش السياسي داخل الدولة الشريكة.
سابعًا: من إدارة الأزمات إلى عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية
إن جمع هذه التجارب ضمن قراءة واحدة يسمح باستخلاص مجموعة من المبادئ التي تفسر جانبًا من تطور الدبلوماسية المغربية خلال عهد الملك محمد السادس.
ولا يعني ذلك افتراض وجود نموذج ثابت يفسر جميع القرارات أو يضمن النتائج نفسها في كل أزمة، بل يتعلق الأمر باستقراء منطق استراتيجي تتغير أدواته تبعًا لطبيعة الخلاف وميزان القوة والمصالح المتبادلة.
المبدأ الأول: السيادة التفاوضية.
تتمثل في تحديد المجالات التي يمكن أن تشملها التسويات السياسية، والمجالات المرتبطة بالمصالح الأساسية للدولة. وهي لا تعني رفض التفاوض، وإنما منع تفاوت القوة من التحول إلى حق للطرف الأقوى في تحديد أولويات الطرف الآخر.
المبدأ الثاني: السيادة الزمنية.
تتمثل في القدرة على تحمل فترات من البرود السياسي عندما تكون التسوية المتاحة غير كافية لحماية المصالح الأساسية، شريطة أن تكون كلفة الانتظار محسوبة، وأن تبقى قنوات التواصل والخيارات البديلة قائمة.
المبدأ الثالث: المرونة في الوسائل.
فثبات الأهداف لا يفرض تماثل الأدوات. إن مواجهة مبادرة داخل مجلس الأمن تختلف عن تدبير حادث عسكري أو أزمة حدودية أو خلاف بشأن الاعتراف السياسي. وتقتضي الفاعلية اختيار الأداة التي تناسب طبيعة التحدي دون المساس بالغاية الاستراتيجية.
المبدأ الرابع: الاستقلال الاستراتيجي الشبكي.
لا يقوم استقلال القرار على الانعزال، وإنما على تنويع الشراكات وعدم الارتهان إلى قطب واحد. وقد تجسد هذا التوجه في توسيع علاقات المغرب مع روسيا والصين والهند، إلى جانب المحافظة على شراكاته التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا.
ويتيح هذا التنويع للمملكة توسيع خياراتها الاقتصادية والتكنولوجية والدفاعية، ويحد من مخاطر تحول الاعتماد على شريك بعينه إلى مصدر للضغط السياسي.
غير أن تعدد الشركاء لا يعني الاستغناء عن التوازن في إدارة العلاقات، ولا يضمن وحده استقلال القرار. فالأمر يتطلب تقديرًا دقيقًا للمصالح، وتجنب نقل التبعية من طرف إلى آخر، وبناء قدرات وطنية تسمح بتحويل الشراكات الخارجية إلى قيمة مضافة للاقتصاد والأمن والتنمية.
المبدأ الخامس: السيادة الإنتاجية والتكنولوجية.
لا يمكن أن يستند الاستقلال الاستراتيجي إلى العلاقات الدبلوماسية وحدها. فكلما ارتفع الاعتماد الخارجي على التكنولوجيا الحيوية والتجهيزات الاستراتيجية وسلاسل التوريد والتمويل، ظلت حرية القرار معرضة لضغوط قد لا تظهر في المجال السياسي المباشر.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تطوير القدرات الصناعية والتكنولوجية، وتعزيز الأمن الطاقي والغذائي، وتحسين القدرة الوطنية على الابتكار والإنتاج، حتى تصبح السيادة السياسية مدعومة بموارد اقتصادية فعلية.
وهذا ما يمكن تسميته السيادة الدبلوماسية المنتجة: أي قدرة الدولة على تحويل مواردها الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية إلى عناصر تعزز استقلال قرارها وتقلص قابليتها للضغط الخارجي.
المبدأ السادس: هندسة الاعتماد المتبادل.
تتحدد أهمية الدولة في النظام الدولي ليس فقط بحجم اقتصادها أو قدراتها العسكرية، بل كذلك بالوظائف التي تؤديها داخل شبكات الأمن والتجارة والطاقة واللوجستيك.
ويمنح الموقع المغربي عند ملتقى الأطلسي والمتوسط، إلى جانب الامتداد الأفريقي للمملكة، فرصًا مهمة لتعزيز هذا التموضع. لكن الموقع الجغرافي لا يتحول إلى نفوذ تلقائي؛ بل يحتاج إلى بنية تحتية فعالة، واستقرار مؤسساتي، وقدرة على تنظيم التدفقات وتأمينها، وشبكات اقتصادية يصعب استبدالها دون كلفة.
المبدأ السابع: تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة تنظيم الشراكات.
لا يكفي أن تنتهي الأزمة باستئناف الاتصالات أو تبادل الزيارات الرسمية. فالمعيار الأهم هو ما إذا كانت التسوية قد أسهمت في توضيح المرجعيات السياسية، أو تطوير التعاون المؤسساتي، أو تحسين قدرة الطرفين على معالجة خلافاتهما مستقبلًا.
وقد أظهرت التجارب المغربية أن بعض الأزمات انتهت باستعادة العلاقات دون حسم الخلاف الأصلي، بينما ارتبطت حالات أخرى بتحولات سياسية مهمة في المواقف من الصحراء المغربية.
وهذا التفاوت يؤكد أن النتائج لا يمكن ردها إلى عامل واحد، لكنه يبرز أهمية السعي إلى تحويل التسويات الظرفية إلى ترتيبات مؤسساتية أكثر استدامة.
ثامنًا: حدود القوة الدبلوماسية ومخاطر المبالغة في تقدير النفوذ
إن القراءة الموضوعية للتجربة المغربية تقتضي الاعتراف بأن الدبلوماسية، مهما بلغت فعاليتها، لا تعمل خارج قيود القوة والاقتصاد والجغرافيا والتحولات الدولية.
فليس كل خلاف ينتهي بالمآل الذي تسعى إليه الدولة، وليس كل تغير في موقف شريك نتيجة مباشرة لضغط دبلوماسي. كما أن العلاقات الدولية تتأثر بتغير الحكومات، وحسابات السياسة الداخلية، والتحولات الاقتصادية، وموازين القوى الإقليمية، والمنافسة بين الأقطاب الكبرى.
ومن ثم، فإن وصف التجربة المغربية بأنها إعادة هندسة لموازين القوة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تغييرًا في التراتبية الدولية أو انتقالًا إلى موقع يماثل موقع القوى العظمى.
المقصود هو شيء أكثر دقة: توسيع هامش المناورة داخل ميزان قوة غير متكافئ، والتأثير في حسابات الشركاء، وإعادة التفاوض بشأن شروط العلاقة عندما تتعارض مع المصالح الأساسية للمملكة.
وهذا النوع من التأثير لا يتحقق بمجرد اتخاذ مواقف حازمة أو إطالة أمد الخلاف. بل يتطلب وجود بدائل، ومصالح متبادلة، وقدرة على تحمل الكلفة، وتقديرًا واقعيًا لما يمكن تحقيقه وما يتعذر تحقيقه في كل مرحلة.
فإذا كانت الدولة قادرة على رفض بعض الضغوط، لكنها عاجزة عن تحمل تبعات الرفض، فإن هامش قرارها يظل محدودًا. وإذا استطاعت تنويع شركائها، لكنها لم تطور قدراتها الإنتاجية، فقد تنتقل من الاعتماد على طرف إلى الاعتماد على آخر.
وإذا امتلكت موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، لكنها لم تحوله إلى قيمة اقتصادية وأمنية ملموسة، فإن أهميته ستظل كامنة أكثر مما هي منتجة للنفوذ.
لهذا السبب، فإن مستقبل الاستقلال الاستراتيجي المغربي يرتبط بقدرته على الجمع بين الدبلوماسية الفعالة، والاقتصاد التنافسي، والتصنيع، والابتكار، والتأهيل المؤسساتي، والتماسك الداخلي.
كما يرتبط بتطوير أدوات تقييم الأزمات، وقياس نتائج التسويات، واستباق المخاطر، وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية والبرلمانية والإعلامية، وتوسيع المعرفة بمراكز القرار لدى الشركاء.
فالقوة الدبلوماسية المستدامة لا تُقاس بعدد الأزمات التي تدخلها الدولة، بل بقدرتها على تقليص الحاجة إلى المواجهة، وحماية مصالحها، وتحويل علاقاتها الخارجية إلى رافعة للتنمية والأمن والاستقلال.
خاتمة: حين تصبح السيادة قدرة على التأثير في حسابات الآخرين
تكشف الأزمات التي عرفتها العلاقات المغربية مع الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا وألمانيا والسويد عن تطور في طريقة إدارة المملكة لخلافاتها مع شركائها الدوليين. فقد اختلفت أسباب هذه الأزمات ونتائجها، لكن المقارنة بينها تبرز سعيًا متواصلًا إلى حماية المصالح السيادية، وضبط كلفة الاختلاف، والمحافظة على الشراكات التي تظل ضرورية للأمن والتنمية والاستقرار.
في واشنطن، جرى احتواء الخلاف بشأن المينورسو دون تفكيك التحالف، قبل أن يشهد الموقف الأمريكي تحولًا نوعيًا سنة 2020. وفي أزمة جزيرة ليلى، انتهت المواجهة الميدانية دون حسم النزاع القانوني. ومع فرنسا، تطور الموقف المعلن بشأن الصحراء المغربية في سياق إعادة إطلاق الشراكة. أما مع إسبانيا، فقد أدى التحول السياسي سنة 2022 إلى إعادة ضبط المرجعيات المنظمة للعلاقة، دون تسوية جميع الملفات السيادية العالقة. وفي ألمانيا، أُعيد بناء الحوار ضمن إطار استراتيجي، بينما انتقلت العلاقة مع السويد من منع الاعتراف إلى دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات.
ولا تعني هذه النتائج أن جميع الأزمات كانت متشابهة، أو أن المغرب تحكم منفردًا في مساراتها. لكنها تقدم مؤشرات على أهمية استمرارية التوجه الاستراتيجي، وتنويع الشراكات، واستثمار التحولات الدولية، والتمييز بين الأهداف السيادية الثابتة والأدوات الدبلوماسية المتغيرة.
إن الدلالة الأعمق للتجربة المغربية تتمثل في أن استقلال القرار لا يتحقق بمجرد إعلان السيادة، بل يحتاج إلى بناء الموارد والبدائل التي تحمي ممارستها. فالقوة الاقتصادية والتكنولوجية، والتموضع الجغرافي، والشراكات الأمنية، والحضور الأفريقي، والقدرة على التأثير في شبكات المصالح الدولية، كلها عناصر تمنح القرار الوطني مساحة أوسع للحركة.
ومن هنا، تتبلور ملامح عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية، قوامها أن الدولة لا تحتاج إلى أن تصبح قوة عظمى حتى تدافع عن مصالحها، لكنها تحتاج إلى أن تجعل احترام تلك المصالح جزءًا من الحسابات العقلانية لشركائها.
فالسيادة تمنح الدولة حق الاختيار، والقوة الاستراتيجية تمنحها القدرة على حماية هذا الاختيار، أما الدبلوماسية الفعالة فتربط بينهما، عبر تحويل المصالح المتبادلة إلى نفوذ، والخلافات إلى فرص لإعادة التفاوض، والشراكات إلى أدوات لتعزيز الاستقلال بدل تكريس التبعية.
فالدولة لا تعيد هندسة موازين القوة بالضرورة حين تغيّر أحجام القوى المتقابلة، بل حين تنجح في تغيير حسابات هذه القوى تجاه مصالحها. وتلك هي المسافة الاستراتيجية الفاصلة بين امتلاك السيادة والقدرة على صون استقلال القرار السيادي.


