من الحوثيين إلى البوليساريو.. كيف توظّف إيران والجزائر التنظيمات المسلحة لاستنزاف خصومهما ؟
تكشف الهجمات الحوثية على السعودية عن خطورة تحويل التنظيمات المسلحة إلى أوراق ضغط إقليمية، تُستخدم لتهديد أمن الدول واستنزاف قدراتها وإرباك حساباتها الاستراتيجية، دون أن تضطر الدول الداعمة إلى خوض مواجهة عسكرية مباشرة تتحمل وحدها تكاليفها وتداعياتها.
إنه منطق الفوضى بالوكالة؛ حيث تتحرك الجماعات المسلحة في ساحات الصراع، بينما تحصد القوى الداعمة مكاسب النفوذ وتوسيع هامش المناورة، مستفيدة من كلفة المواجهة التي يتحملها الخصوم. وما يبدو صراعا محليا في ظاهره، قد يتحول في حقيقته إلى جزء من معركة إقليمية أوسع.
وإذا كانت هذه المعادلة حاضرة في الشرق الأوسط، فإن شمال إفريقيا يعرف بدوره صراعا ممتدا منذ عقود، تطرح فيه علاقة الجزائر بجبهة البوليساريو أسئلة جوهرية حول توظيف النزاع الإقليمي للضغط على المغرب، وتعطيل فرص بناء فضاء مغاربي مستقر ومتكامل.
الحوثيون والبوليساريو.. اختلاف الساحات ووحدة منطق الاستنزاف
لا تعني المقارنة بين الحوثيين والبوليساريو التطابق في القدرات العسكرية أو طبيعة النزاع أو سياقاته السياسية، لكنها تتيح فحص وظيفة التنظيم المسلح عندما يصبح جزءا من حسابات دولة إقليمية، ويمنحها وسيلة إضافية لممارسة الضغط على خصومها.
في الحالة اليمنية، عزز الدعم الإيراني قدرات الحوثيين العسكرية والتقنية، بما أتاح لهم تطوير أدوات تهديد تتجاوز حدود اليمن، وفرض تحديات أمنية على السعودية ودول المنطقة. وهنا تكمن إحدى أهم مزايا النفوذ غير المباشر: توسيع نطاق الضغط الإقليمي من دون تحمل جميع أعباء المواجهة المباشرة.
ولا تتوقف خطورة هذا النموذج عند الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل تمتد إلى تهديد المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وإرباك النشاط الاقتصادي، ورفع كلفة الدفاع والاستعداد العسكري. وهكذا تتحول الجماعة المسلحة إلى عامل مؤثر في حسابات الأمن الإقليمي، حتى عندما تحتفظ بقيادتها المحلية ومصالحها الخاصة.
الجزائر والبوليساريو.. نزاع مفتوح وورقة ضغط ضد المغرب
في شمال إفريقيا، تبرز العلاقة بين الجزائر والبوليساريو باعتبارها أحد أبرز عناصر التوتر في المنطقة المغاربية. فمنذ تأسيس الجبهة سنة 1973، وفّرت الجزائر لها أشكالا متعددة من الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي واللوجستي والعسكري، واحتضنت قيادتها ومخيمات أنصارها فوق أراضيها.
هذا الدعم المستمر لم يبق محصورا في إطار التضامن المعلن مع الجبهة، بل أصبح عنصرا مركزيا في معادلة النزاع حول الصحراء المغربية. فاستمرار قدرات البوليساريو على التحرك والتهديد يرتبط، إلى حد بعيد، بالبيئة السياسية واللوجستية التي توفرها الجزائر، وهو ما يجعل دورها في مستقبل النزاع مسألة لا يمكن تجاوزها عند البحث عن تسوية واقعية ودائمة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن الحديث عن تسوية إقليمية مستدامة، بينما يستمر دعم أحد أطراف النزاع، وتظل الحدود السياسية والعسكرية بين الدعم الخارجي والتحرك الميداني موضوعا أساسيا في فهم موازين القوة؟
بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف دبلوماسي مع الجزائر، بل بمعادلة أمنية واستراتيجية تفرض تكاليف مستمرة، من مراقبة الحدود والمناطق الحساسة إلى الحفاظ على الجاهزية الدفاعية والتعامل مع التهديدات التي قد تطال الاستقرار الميداني.
إن استمرار النزاع يستهلك الموارد، ويعرقل بناء الثقة، ويحد من فرص التعاون المغاربي، بينما تبقى احتمالات التصعيد حاضرة كلما تعثرت المسارات السياسية. وبهذا المعنى، يصبح النزاع نفسه عاملا مؤثرا في ميزان القوى بين الرباط والجزائر، بصرف النظر عن اختلاف التقديرات بشأن أهداف كل طرف وحساباته.
الجزائر ليست مجرد متفرج في معادلة الصحراء
إن الحضور الجزائري في هذا الملف يتجاوز المواقف الدبلوماسية العابرة. فالجزائر تستضيف قيادة البوليساريو ومخيمات تندوف، وتدافع عن أطروحات الجبهة في المحافل الدولية، كما تحضر باعتبارها طرفا معنيا في المسار الأممي، وهو ما يعكس حجم تأثيرها في شروط النزاع وإمكانات تسويته.
ومن هنا، فإن اختزال القضية في مواجهة بين المغرب والبوليساريو وحدهما لا يفسر جميع أبعادها السياسية والاستراتيجية. فالدور الجزائري يظل عاملا أساسيا في أي مقاربة تبحث عن إنهاء النزاع، كما أن مسؤولية الأطراف المعنية تقتضي الانتقال من إدارة الخلاف إلى توفير شروط حل سياسي قابل للاستمرار.
أما الرهان على استمرار النزاع باعتباره وسيلة لموازنة النفوذ المغربي، فإنه يحمل كلفة تتجاوز العلاقات الثنائية؛ إذ يضعف فرص التكامل الاقتصادي، ويعمق انعدام الثقة، ويجعل المنطقة أقل قدرة على مواجهة التحديات الأمنية والتنموية المشتركة.
من يربح من استمرار النزاع؟
هنا تتضح المقارنة الاستراتيجية بين النموذجين الإيراني والجزائري، مع ضرورة عدم الخلط بين سياقاتهما المختلفة: في الحالة الإيرانية، يمنح دعم الحوثيين طهران أدوات ضغط مرتبطة بأمن الخليج والممرات البحرية؛ وفي الحالة الجزائرية، يشكل دعم البوليساريو عنصرا رئيسيا في استمرار النزاع حول الصحراء المغربية، بما يحمله ذلك من تداعيات على التوازنات المغاربية.
لكن الفارق الجوهري يظل قائما؛ فالحوثيون يمتلكون سلطة فعلية على أجزاء من اليمن وقدرات عسكرية واسعة، بينما تعمل البوليساريو ضمن سياق نزاع إقليمي مختلف، وتظل قدراتها ووسائل تأثيرها غير قابلة للمقارنة المباشرة بالقدرات الحوثية.
ومع ذلك، فإن القاسم المشترك الذي يستحق النقاش هو كيفية تحول التنظيم المسلح إلى عنصر في استراتيجية إقليمية أوسع، وكيف يمكن للدعم الخارجي أن يطيل أمد النزاعات ويزيد كلفة تسويتها.
الخلاصة أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة صراعات الوكالة وحسابات النفوذ. ففي الشرق الأوسط، يدفع استهداف السعودية والمنشآت الحيوية إلى مزيد من التوتر والمخاطر؛ وفي شمال إفريقيا، يواصل نزاع الصحراء استنزاف فرص الاستقرار والتكامل بين المغرب والجزائر.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن التحدي لا يقتصر على احتواء التهديدات، بل يمتد إلى مواصلة ترسيخ موقعه الدبلوماسي والدفاع عن وحدته الترابية، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام تسوية سياسية تنهي النزاع وتضع حدا لمنطق الاستنزاف الذي يضر بمستقبل المنطقة بأكملها.

