من الإرث الاستعماري إلى المصالح الاقتصادية.. كيف تغيّرت مواقف دول بأمريكا اللاتينية من قضية الصحراء المغربية ؟
عز الدين السريفي
الدبلوماسية المغربية تعزّز حضورها في الفضاء الناطق بالإسبانية، وتربط دعم الحكم الذاتي بآفاق التعاون التجاري والاستثماري والانفتاح على إفريقيا
لم تعد قضية الصحراء المغربية في أمريكا اللاتينية تُقرأ من زاوية التاريخ الاستعماري وحده، بل أصبحت جزءاً من تحولات دبلوماسية واقتصادية أوسع، تتداخل فيها مواقف الدول من الوحدة الترابية للمملكة مع حسابات التجارة والاستثمار والتعاون جنوب–جنوب. وبينما استفادت جبهة البوليساريو، على مدى عقود، من روابط اللغة الإسبانية وامتدادات الحركات اليسارية في القارة، عمل المغرب على توسيع حضوره الدبلوماسي والبرلماني والاقتصادي، في مسار أفضى إلى مراجعة عدد من الدول مواقفها السابقة من الجبهة.
ويكشف هذا التحول عن أهمية الانتقال من الدبلوماسية القائمة على عرض المواقف السياسية إلى دبلوماسية متعددة الأبعاد، تجمع بين التواصل الثقافي والحوار المؤسساتي والمصالح الاقتصادية، مع استمرار الأمم المتحدة إطاراً دولياً لمعالجة النزاع.
اللغة الإسبانية.. مدخل تاريخي إلى أمريكا اللاتينية
لفهم الحضور الذي راكمته البوليساريو في أمريكا اللاتينية، لا بد من العودة إلى أحد العوامل التي ساعدتها على بناء علاقات مع عدد من الأحزاب والحكومات في المنطقة، وهو الإرث الاستعماري الإسباني المشترك.
فغالبية دول أمريكا اللاتينية تتحدث الإسبانية نتيجة تاريخها الاستعماري، كما خضعت الصحراء المغربية بدورها للاستعمار الإسباني قبل إنهاء الوجود الإسباني فيها سنة 1975. وقد وفّر هذا التقاطع التاريخي واللغوي أرضية ملائمة لتقديم أطروحة البوليساريو داخل الأوساط السياسية والطلابية والنقابية، خصوصاً في البيئات المتأثرة بخطاب حركات التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار.
واستفادت الجبهة من قدرتها على التواصل المباشر باللغة الإسبانية، وتقديم نفسها باعتبارها امتداداً لحركات التحرر التي عرفتها القارة في مراحل سابقة. كما أتاح لها هذا العامل المشاركة في لقاءات سياسية وتضامنية، وبناء علاقات مع أحزاب يسارية ومنظمات إقليمية، مستفيدة من التقاطعات الأيديولوجية التي جمعت بعض هذه الأطراف بخطابها.
وكانت هذه الشبكات السياسية من بين القنوات التي ساهمت في وصول قضية الصحراء إلى عدد من الفضاءات الحزبية في المنطقة، وتحويل التضامن السياسي لدى بعض التيارات إلى مواقف رسمية عندما وصلت إلى الحكم.
غير أن تفسير الاعترافات السابقة بالبوليساريو باللغة وحدها يظل تبسيطاً لمسار أكثر تعقيداً؛ إذ تداخلت فيه الاعتبارات الأيديولوجية، والتحالفات الدولية، ومواقف الحرب الباردة، وطبيعة العلاقات التي ربطت دول المنطقة بعدد من الأطراف الإفريقية والدولية.
وفي المقابل، فرض هذا الواقع على الدبلوماسية المغربية ضرورة تعزيز حضورها داخل المجال الناطق بالإسبانية، وتطوير أدوات التواصل المباشر مع المسؤولين والبرلمانيين ومراكز التأثير السياسي في أمريكا اللاتينية.
من المسيرة الخضراء إلى التحول الدبلوماسي.. المغرب يوسّع أدوات المواجهة
في مقابل الحضور الذي راكمته البوليساريو داخل بعض الأوساط السياسية اللاتينية، اعتمد المغرب مساراً دبلوماسياً يقوم على الدفاع عن وحدته الترابية، وتوسيع شبكة علاقاته الثنائية، وتعزيز حضوره داخل المؤسسات البرلمانية والمنتديات الإقليمية.
وشكّل إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء سنة 1975 محطة مفصلية في تاريخ النزاع، بينما ظل الخلاف حول الوضع النهائي للإقليم قائماً على المستوى الدولي. ومع مرور السنوات، انتقل التحرك المغربي من التركيز على شرح الموقف الوطني إلى بناء شراكات أوسع، تجمع بين الحوار السياسي والتعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي.
وفي هذا السياق، اكتسبت الدبلوماسية البرلمانية أهمية متزايدة، من خلال التواصل مع البرلمانات الوطنية والتكتلات التشريعية في أمريكا اللاتينية، بما فيها برلمان أمريكا اللاتينية والكاريبي، المعروف باسم «البرلاتينو»، إلى جانب منصات الحوار البرلماني والتعاون جنوب–جنوب.
وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يتيح للمغرب التواصل مع مختلف التيارات السياسية، وعدم حصر علاقاته في الحكومات القائمة أو الأحزاب المتقاربة معه أيديولوجياً. فالعلاقات المؤسساتية المستمرة قد تساعد على الحد من تأثير التغيرات الحكومية على العلاقات الثنائية، وتوفر قنوات للحوار حتى عندما تختلف المواقف السياسية بشأن قضية الصحراء.
كما أصبح التواصل باللغة الإسبانية عنصراً مهماً في تطوير الخطاب الدبلوماسي المغربي، إذ لم يعد كافياً نقل الموقف الرسمي إلى العواصم اللاتينية، بل بات ضرورياً شرحه ضمن السياقات السياسية والتاريخية والثقافية التي تؤثر في الرأي العام وصناع القرار في تلك البلدان.
من الاعتراف بالبوليساريو إلى مراجعة المواقف.. ما الذي تغيّر؟
شهدت السنوات الأخيرة تحولات في مواقف عدد من دول أمريكا اللاتينية تجاه ما يسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، بين سحب الاعتراف بها، وتعليق العلاقات الدبلوماسية معها، وتجميد الاتصالات الرسمية، وصولاً إلى إعلان دعم السيادة المغربية على الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي.
ولا بد هنا من التمييز بين هذه الإجراءات؛ فسحب الاعتراف يختلف دبلوماسياً عن تعليق العلاقات أو تجميدها، كما أن دعم مبادرة الحكم الذاتي لا يعني بالضرورة أن الدولة المعنية أعلنت صراحة اعترافاً جديداً بالسيادة المغربية. لذلك، فإن احتساب الدول التي غيّرت موقفها يستوجب الاعتماد على البلاغات الرسمية لكل دولة، وتحديد طبيعة القرار وتاريخه.
ومن أبرز الأمثلة التي تعكس هذا التحول، إعلان الإكوادور وبنما في نهاية سنة 2024، ثم غانا في يناير 2025، سحب الاعتراف بالكيان المعلن من جانب البوليساريو. كما أعلنت بوليفيا في فبراير 2026 تعليق اعترافها، في خطوة رافقها التوجه نحو استعادة العلاقات الدبلوماسية مع المغرب.
وفي تطور أكثر دلالة، أعلنت كولومبيا في 10 غشت 2026 تجميد علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان المذكور، مؤكدة اعترافها بسيادة المغرب على كامل ترابه، بما فيه الصحراء، وربطت قرارها بتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع المملكة.
وتبرز أهمية الحالة الكولومبية في كونها لا تقتصر على تغيير في صيغة التعامل الدبلوماسي، بل تجمع بين مراجعة الموقف من الصحراء والتوجه نحو تطوير التعاون التجاري والاستثماري والسياحي والأمني والغذائي، فضلاً عن الموانئ والخدمات اللوجستية والربط الأطلسي.
أما الشيلي، فقد أعلنت في 21 شتنبر 2026 دعمها سيادة المغرب على كامل ترابه، واعتبرت مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها المملكة سنة 2007 أساساً لحل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف. كما أبدت دعمها للمسار الأممي، وأعلنت تشجيع التعاون الاقتصادي والتجاري في منطقة الصحراء المغربية.
وتكشف هذه الحالات عن مسارات مختلفة لا ينبغي دمجها في إحصاء واحد من دون تدقيق. كما أن تغير المواقف لا يعني بالضرورة أن جميع الدول المعنية انتقلت إلى الموقف نفسه أو اتخذت إجراءات متطابقة، بل يعكس تفاوتاً في طبيعة التقارب الدبلوماسي ومستواه.
المصالح الاقتصادية.. من عامل مساعد إلى ركيزة في العلاقات الثنائية
إذا كانت اللغة والإرث الاستعماري قد وفّرا للبوليساريو مدخلاً تاريخياً إلى أمريكا اللاتينية، فإن التحولات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة تمنح المغرب فرصاً جديدة لإعادة صياغة علاقاته مع دول المنطقة.
فالمملكة لم تعد تقدم نفسها فقط باعتبارها شريكاً يسعى إلى حشد الدعم لموقفه من الصحراء، وإنما باعتبارها بوابة للتعاون مع إفريقيا، بفضل موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها التجارية ومشاريعها المينائية واللوجستية، فضلاً عن فرص التعاون في مجالات الزراعة والطاقة والسياحة والصناعة.
ويظهر هذا التوجه في عدد من المبادرات الثنائية التي رافقت تطور المواقف من قضية الصحراء. ففي حالة الشيلي، تزامن إعلان دعم السيادة المغربية مع توقيع وثيقة تحدد الأسس الأولية للشروع في مفاوضات اتفاق للتجارة الحرة بين البلدين. ويشير ذلك إلى توجه نحو توسيع العلاقات لتشمل التجارة والاستثمار والتنمية الإنتاجية، بدلاً من اقتصارها على المواقف السياسية.
وفي كولومبيا، ربطت التحركات الدبلوماسية بين مراجعة العلاقات مع الكيان المعلن من طرف البوليساريو وبين الرغبة في بناء شراكة متجددة مع المغرب، تشمل المبادلات التجارية والاستثمار والسياحة والأمن الغذائي والتعاون المينائي واللوجستي.
وتسمح هذه المعطيات بقراءة التحول من زاوية المصالح المتبادلة؛ فالدول لا تتخذ قراراتها الخارجية بناءً على عامل واحد، وإنما في ضوء مجموعة من الاعتبارات، من بينها المصالح الاقتصادية، والعلاقات الإقليمية، والتوجهات الحكومية، وتقديرها لموازين القوى الدولية.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن المصالح الاقتصادية وحدها تفسر مراجعة الاعتراف بالبوليساريو، أو أن كل اتفاق تجاري يرتبط مباشرة بموقف سياسي من الصحراء. الأدق أن هذه المصالح أصبحت جزءاً من بيئة أوسع تساعد على تطوير العلاقات المغربية اللاتينية، وتوفر أرضية عملية لتقوية التعاون بين الجانبين.
ومن هذا المنظور، تبرز المبادرة الأطلسية التي أعلنها الملك محمد السادس سنة 2022 باعتبارها أحد المداخل التي يمكن أن تعزز موقع المغرب في علاقاته مع دول إفريقيا والأطلسي، عبر توسيع فرص التعاون والربط الاقتصادي والانفتاح على الأسواق الإفريقية.
القرار الأممي 2797.. محطة في مسار التسوية السياسية
على المستوى الأممي، شكّل اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025 محطة مهمة في المسار السياسي للنزاع حول الصحراء. وقد دعا القرار إلى مواصلة الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول للطرفين، في إطار ميثاق الأمم المتحدة، مع التأكيد على مبدأ تقرير المصير ومواصلة المشاورات بين المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا.
وتكتسب هذه المحطة أهمية في سياق التحركات الدبلوماسية المغربية، بالنظر إلى أن القرار يعيد التأكيد على ضرورة الدفع بالعملية السياسية، ويضع الأطراف المعنية أمام مسؤولية مواصلة المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة.
وفي هذا الإطار، عبّر وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن تمسك المغرب بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها أساساً للتوصل إلى حل سياسي للنزاع.
وتقوم المقاربة المغربية على اعتبار أن الحكم الذاتي يوفر إطاراً لتدبير الشؤون المحلية للأقاليم الجنوبية في ظل السيادة المغربية، بينما تظل المفاوضات الأممية المسار الذي يفترض أن يفضي إلى تسوية سياسية نهائية. ومن المهم، في هذا السياق، التمييز بين الموقف الرسمي للمملكة ومضمون القرارات الأممية، التي ينبغي الرجوع إلى نصوصها عند تحديد ما أقرته صراحة وما تركته للمفاوضات.
أما التحولات التي شهدتها أمريكا اللاتينية، فتُظهر أن النقاش حول الصحراء لم يعد محصوراً في الاصطفافات التاريخية التي طبعت مرحلة الحرب الباردة، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بتطور العلاقات الثنائية، وتغير الأولويات الحكومية، وإعادة تقييم الشراكات الدولية.
هل فقدت البوليساريو امتيازها التاريخي في أمريكا اللاتينية؟
تكشف مراجعة عدد من المواقف الرسمية عن تراجع مساحة الاعتراف الدبلوماسي بالبوليساريو في بعض دول المنطقة، مقابل اتساع نطاق العلاقات التي تربط المغرب بعواصم لاتينية، وظهور مواقف صريحة تدعم سيادة المملكة على الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي.
لكن تقييم حجم هذا التحول يقتضي الحذر من تعميم الحالات الفردية على القارة بأكملها، أو اعتبار جميع الدول التي علقت علاقاتها مع الكيان المذكور دولاً أعلنت اعترافاً صريحاً بالسيادة المغربية. فالمواقف تختلف من دولة إلى أخرى، كما أن العلاقات الخارجية قد تتغير مجدداً تبعاً للتحولات السياسية الداخلية والإقليمية.
ومع ذلك، فإن المؤشرات المرتبطة بمواقف الشيلي وكولومبيا وبوليفيا، إلى جانب المواقف السابقة لكل من الإكوادور وبنما وغانا، تبرز أهمية المقاربة المغربية القائمة على تنويع الشراكات، وتطوير التواصل باللغة الإسبانية، وتعزيز الدبلوماسية البرلمانية، وربط الحوار السياسي بمشاريع التعاون الاقتصادي والتجاري.
الخلاصة أن التحول في أمريكا اللاتينية لا يمكن تفسيره بانتصار اللغة الاقتصادية على اللغة السياسية فحسب، بل بتفاعل مجموعة من العوامل التاريخية والدبلوماسية والاستراتيجية. فقد استفادت البوليساريو سابقاً من الإرث الاستعماري المشترك وشبكات التضامن الأيديولوجي، فيما يسعى المغرب اليوم إلى بناء علاقات أكثر تنوعاً واستدامة، تجعل التعاون الاقتصادي والمؤسساتي جزءاً من علاقاته مع دول المنطقة.
وبين الإرث التاريخي ومتطلبات الحاضر، تبدو المنافسة الدبلوماسية في أمريكا اللاتينية مرتبطة بقدرة الأطراف على بناء علاقات مستمرة، وتقديم تصورات قابلة للنقاش ضمن الإطار الأممي، وتطوير شراكات تحقق مصالح ملموسة للدول المعنية. وهي معادلة ستظل مؤثرة في مستقبل العلاقات المغربية اللاتينية وفي تطور المواقف الدولية من قضية الصحراء المغربية.


