الحكم الذاتي عقد سياسي وأخلاقي مع ملك المغرب ولا يمكن إدارته وفق نموذج “البوليساريو الجزائرية”
قال الحاج أحمد بريك الله، الأمين الأول لحركة الصحراويين من أجل السلام (MSP)، إن التطورات الدبلوماسية الأخيرة المرتبطة بملف الصحراء تفرض، برأيه، الانتقال من مجرد مناقشة عنوان الحل السياسي إلى البحث في تفاصيل مضمونه السياسي والمؤسساتي، معتبراً أن أي تسوية مستدامة لن تنجح من دون مؤسسات تمثيلية وضمان مشاركة مختلف التوجهات الصحراوية وتحقيق مكاسب ملموسة للسكان واللاجئين.
ويأتي هذا الطرح في سياق سياسي جديد أعقب قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي أشار إلى الدعم الذي عبرت عنه دول عدة لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007، باعتباره أساساً لحل عادل ودائم للنزاع تقبله الأطراف، كما اعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل أحد الحلول الأكثر قابلية للتطبيق.
من دعم المبادرة المغربية إلى مناقشة مضمونها
ويرى بريك الله أن التحول في المواقف الدولية تجاه المبادرة المغربية يجعل النقاش المقبل أكثر ارتباطاً بالتفاصيل العملية للحكم الذاتي، بدل الاكتفاء بتداول المصطلح في حد ذاته.
وأوضح أن حركة الصحراويين من أجل السلام تبنت منذ سنة 2020 المبادرة المغربية باعتبارها أرضية يمكن أن تشكل منطلقاً لتسوية سياسية توافقية، غير أنه شدد على أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنصب على تحديد طبيعة المؤسسات والاختصاصات والموارد والضمانات التي يمكن أن تجعل من الحكم الذاتي صيغة سياسية قابلة للتنفيذ.
وبحسب بريك الله، فإن الحكم الذاتي لا ينبغي أن يختزل في مجرد اللامركزية الإدارية أو نقل بعض الاختصاصات والخدمات من المركز، بل يفترض، في تصوره، وجود مؤسسات صحراوية منتخبة تتمتع بصلاحيات فعلية، وتستند إلى شرعية ديمقراطية، وتتيح للسكان تدبير شؤونهم في إطار السيادة المغربية.
وأشار إلى أن الحركة قدمت سنة 2023 في داكار مشروع نظام أساسي وأفكاراً حول مضامين الحكم الذاتي، معتبراً أن المرحلة المقبلة تستدعي مفاوضات مباشرة بشأن توزيع الاختصاصات والموارد، وآليات الإشراف والضمانات، فضلاً عن ترتيبات المرحلة الانتقالية التي يمكن أن تمتد من الاتفاق السياسي إلى تنظيم أول انتخابات وتشكيل المؤسسات المنتخبة.
بريك الله يدعو إلى توسيع المشاركة الصحراوية
ويضع الأمين الأول لحركة الصحراويين من أجل السلام مسألة التمثيل السياسي في صلب تصوره للحل، داعياً إلى توسيع دائرة المشاركة في المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، وعدم حصر التمثيل الصحراوي في طرف سياسي واحد.
وقال إن الحركة طلبت من الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي ورئاسة مجلس الأمن العمل على توسيع دائرة الحوار، بما يسمح بمشاركة أصوات صحراوية أخرى في المفاوضات.
ويرى بريك الله أن ظهور تيارات صحراوية ترفض العمل العسكري وتدعو إلى التسوية السياسية يفرض، بحسب تقديره، إعادة النظر في صيغة التمثيل المعتمدة في المسار التفاوضي، مؤكداً أن مشاركة الحركة لا تستهدف إقصاء جبهة البوليساريو، وإنما تهدف إلى ما يصفه بـ”دمقرطة القضية الصحراوية”.
وفي هذا السياق، يقدم بريك الله حركة الصحراويين من أجل السلام باعتبارها فاعلاً صحراوياً ثالثاً يسعى إلى لعب دور مستقل بين المغرب والبوليساريو، مع التأكيد على أن الحركة لا تعتبر نفسها جزءاً من الموقف المغربي، وإنما تتبنى تصوراً خاصاً للحل السياسي.
البوليساريو أمام خيار التحول من العمل العسكري إلى العمل السياسي
وفي حديثه عن مستقبل جبهة البوليساريو في حال التوصل إلى تسوية قائمة على الحكم الذاتي، اعتبر بريك الله أن الجبهة يمكن أن تتحول من تنظيم يعتمد على منطق المواجهة إلى قوة سياسية تشارك في المؤسسات الجديدة.
وبحسب تصوره، فإن التخلي عن الخيار العسكري وقبول التسوية السياسية يمكن أن يفتحا أمام البوليساريو إمكانية التحول إلى تنظيم سياسي والمشاركة في الانتخابات والمؤسسات المنبثقة عن الحكم الذاتي.
غير أنه يشدد على أن هذه المشاركة ينبغي أن تقوم على قواعد التعددية السياسية والمنافسة الديمقراطية، وعلى حق الصحراويين في اختيار ممثليهم، بما يمنع انتقال أي احتكار للتمثيل من مرحلة النزاع إلى مرحلة المؤسسات.
وقال بريك الله إن الحركة لا تريد “هزيمة البوليساريو”، بل تريد أن يصبح من غير الضروري هزيمته، في إشارة إلى رغبته في انتقال الجبهة من منطق الصراع إلى منطق المشاركة السياسية.
مكاسب اجتماعية لبناء الثقة
ولا يحصر بريك الله نجاح أي تسوية في الجوانب الدستورية والمؤسساتية، بل يربطه أيضاً بقدرة الحكم الذاتي على تحسين الظروف المعيشية للسكان.
ويعتبر أن بناء الثقة يحتاج إلى نتائج ملموسة في مجالات السكن والتشغيل والصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، إلى جانب الشفافية والمساءلة والرقابة البرلمانية.
ويرى أن تجاوز آثار عقود من النزاع يتطلب مساراً تدريجياً يقوم على الصبر وحسن النية، وعلى إشراك مختلف مكونات المجتمع الصحراوي، بما في ذلك الفئات التي لا تجد نفسها ممثلة في البنى السياسية التقليدية المرتبطة بالنزاع.
نحو تسوية “لا غالب فيها ولا مغلوب”
ويختصر بريك الله تصور حركة الصحراويين من أجل السلام في تحويل الحكم الذاتي إلى عقد سياسي ومؤسساتي يحدد العلاقة بين المؤسسات الصحراوية والسلطات المركزية، مع توفير ضمانات وآليات واضحة لتنفيذ الاتفاق.
وفي نظره، فإن جوهر المرحلة المقبلة لا يكمن فقط في تحديد الطرف الذي يمثل الصحراويين، وإنما في توفير إمكانية حقيقية أمامهم للاختيار بين توجهات سياسية متعددة داخل إطار سلمي.
وتنسجم دعوته إلى توسيع المسار السياسي مع الحاجة التي أكدها مجلس الأمن في قراره 2797 إلى مواصلة المشاورات بين المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، ودعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام من أجل دفع العملية السياسية نحو حل سياسي عادل ودائم ومقبول للأطراف.
وبذلك، يضع بريك الله النقاش حول الصحراء أمام سؤال يتجاوز شكل الحل إلى كيفية بناء مؤسسات قادرة على تمثيل الصحراويين، وضمان التعددية السياسية، وتحويل أي تسوية مستقبلية إلى واقع مؤسساتي واجتماعي قابل للاستمرار.


