عز الدين السريفي
في زمن أصبحت فيه الضجة الإعلامية تُقدَّم أحياناً على أنها قوة سياسية، ويُقاس النفوذ بعدد التصريحات والاشتباكات الافتراضية، يثبت المغرب مرة أخرى أن الدول لا تُقاس بارتفاع أصواتها، ولا بعدد المعارك التي تخوضها، وإنما بقدرتها على حماية مصالحها الوطنية، وترسيخ ثوابتها، وإدارة علاقاتها الدولية بعقل استراتيجي هادئ وواثق.
المغرب ليس في حاجة إلى صناعة معركة إعلامية مع إسبانيا، ولا إلى تحويل كل تصريح عابر إلى أزمة سياسية. فالدول التي تعرف ماذا تريد لا تستنزف قوتها في سجالات يومية، بل تبني نفوذها بصمت، وتترك للوقائع والمصالح والتراكم الدبلوماسي مهمة الحديث عنها.
والعلاقة المغربية الإسبانية تقدم نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة.
فخلف التصريحات المتفرقة، توجد شبكة واسعة من المصالح المشتركة تمتد إلى التجارة والاستثمار والأمن والهجرة والطاقة والنقل والبنية التحتية والتعاون الاقتصادي. وقد أصبحت الرباط ومدريد تدركان أن استقرار العلاقة بينهما ليس ترفاً دبلوماسياً، وإنما مصلحة استراتيجية مشتركة تتجاوز الحسابات الظرفية.
لكن التعاون لا يعني التنازل، كما أن الشراكة لا تعني الارتهان.
وهنا تكمن إحدى أهم ملامح السياسة الخارجية المغربية خلال السنوات الأخيرة: التعاون حيث توجد المصالح، والحزم حيث توجد الثوابت.
المغرب لا يتعامل مع إسبانيا باعتبارها خصماً دائماً، لكنه في الوقت نفسه لا يتعامل معها باعتبارها طرفاً يستطيع فرض شروطه على المملكة. العلاقة التي يريدها المغرب هي علاقة متوازنة، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، دون أن يكون ذلك على حساب القضايا الوطنية أو السيادة أو المصالح الاستراتيجية للمملكة.
والأهم أن الرباط لم تعد تنظر إلى علاقاتها الدولية من زاوية الاعتماد على شريك واحد. لقد اختارت تنويع شراكاتها وتوسيع حضورها في أوروبا وإفريقيا والعالم العربي ومناطق أخرى، وهو خيار يمنحها هامشاً أوسع للحركة ويقلل من قابلية القرار المغربي للضغط أو الابتزاز.
وفي ملفات الهجرة والأمن ومحاربة الجريمة المنظمة والاستثمار والطاقة والتعاون مع إفريقيا، أصبح المغرب يمتلك أوراقاً استراتيجية تجعل استقرار علاقاته مع أوروبا مصلحة متبادلة، وليس امتيازاً يمنحه طرف للطرف الآخر.
ومن الخطأ الاعتقاد أن الهدوء المغربي يعني غياب الحزم.
الدبلوماسية الهادئة ليست دبلوماسية مترددة، وضبط النفس ليس ضعفاً.
الدولة الواثقة لا تحتاج إلى الرد على كل استفزاز، ولا إلى تحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى غرفة عمليات دبلوماسية. فالقضايا الكبرى لا تُحسم بالهاشتاغات، ولا بالمنشورات الغاضبة، ولا بالمزايدات، وإنما بتراكم المواقف والاتفاقيات والشراكات والمصالح والحضور الدولي.
وفي قضية الوحدة الترابية، تحديداً، لا يحتاج المغرب إلى إعادة إثبات موقفه كل صباح. فالقضية بالنسبة إلى الدولة والمجتمع قضية ثابتة، والدفاع عنها مسار سياسي ودبلوماسي طويل لا ينبغي اختزاله في معركة إعلامية عابرة.
بل إن أخطر ما يمكن أن يقع هو أن تتحول الوطنية إلى انفعال دائم، وأن يصبح كل تصريح أجنبي مناسبة لاستنزاف الرصيد السياسي والشعبي في سجالات لا تنتج شيئاً.
الوطنية الحقيقية ليست في الصراخ أكثر، وإنما في بناء دولة أقوى.
ولهذا فإن أفضل رد على أي محاولة للضغط على المغرب هو المزيد من العمل، والمزيد من بناء القوة الاقتصادية، والمزيد من تنويع الشراكات، والمزيد من الحضور الدبلوماسي، والمزيد من ترسيخ موقع المملكة كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوز مصالحه.
إن المغرب اليوم ليس هو مغرب العقود الماضية.
المملكة التي خرجت من مرحلة الاستعمار بإمكانات محدودة، ليست هي المملكة التي تتفاوض اليوم من موقع مختلف، وتتحرك داخل شبكة واسعة من العلاقات الدولية، وتبني شراكات استراتيجية متعددة، وتراكم حضوراً اقتصادياً وأمنياً ودبلوماسياً في محيطها الإقليمي والقاري.
ولهذا، فإن من يعتقد أن قوة الدولة تقاس بعدد الأزمات التي تفتعلها، يسيء فهم السياسة الدولية.
الدول القوية لا تبحث دائماً عن المواجهة؛ بل تحرص على امتلاك خيار المواجهة عندما تصبح ضرورية.
وهذا فرق جوهري.
المغرب لا يحتاج إلى خصومة دائمة مع إسبانيا حتى يثبت استقلال قراره، كما لا يحتاج إلى مهاجمة مدريد في كل مناسبة حتى يؤكد تمسكه بثوابته. يستطيع أن يتعاون حين تخدم الشراكة مصالحه، وأن يختلف حين تتعارض المواقف، وأن يدافع عن ثوابته حين يتعلق الأمر بقضية وطنية.
وهذه هي السياسة الواقعية التي تميز الدول التي تفكر بمنطق المؤسسات عن تلك التي تدير علاقاتها الخارجية بمنطق ردود الأفعال.
لقد أثبتت التجربة أن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية أكثر قدرة على صناعة الاستقرار من التصريحات النارية، وأن الشراكات طويلة المدى أكثر تأثيراً من الحملات الإعلامية قصيرة العمر.
ومن هنا، فإن المغرب لا يحتاج إلى أن يرفع صوته حتى يسمعه الآخرون.
الوقائع تتحدث.
اقتصادياً، ودبلوماسياً، وأمنياً، وإفريقياً، واستراتيجياً، راكمت المملكة خلال السنوات الماضية عناصر قوة جعلتها رقماً يصعب تجاوزه في معادلات المنطقة.
أما الملفات السيادية، ومنها قضية الوحدة الترابية، فمكانها المؤسسات والقنوات الدبلوماسية والاستراتيجية، وليس منصات الانفعال اليومي.
إن الرسالة المغربية الأقوى ليست رسالة تهديد، ولا رسالة تصعيد، وإنما رسالة ثقة:
المغرب يريد علاقات مستقرة ومتوازنة مع جيرانه وشركائه، لكنه يعرف جيداً مصالحه، ويدرك ثوابته، ولا يسمح بتحويلها إلى ورقة ضغط.
وفي عالم السياسة الدولية، قد يكون الصمت أحياناً أكثر قوة من الخطاب، وقد تكون المصالح أكثر تأثيراً من الحملات، وقد يكون تراكم الإنجازات أكثر إقناعاً من مئات التصريحات.
لهذا، فإن المغرب لا يبحث عن معركة مع إسبانيا، بل عن علاقة متوازنة تخدم مصالحه.
ولا يبحث عن تصفيق إعلامي، بل عن نتائج.
ولا يحتاج إلى الصراخ حتى يُسمع صوته…
لأن الدولة التي تعرف طريقها، لا تحتاج إلى الضجيج كي تثبت أنها تسير إلى الأمام.





