سياسة

مجلس وزاري برئاسة الملك يضع دعم القدرة الشرائية في صدارة أولويات 2027

جسر بريس 5 دقائق للقراءة
Screenshot
Jisrpress

ترأس الملك محمد السادس، اليوم السبت، بالقصر الملكي بالرباط، مجلسا وزاريا خُصص للتداول والمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون المالية برسم سنة 2027، في محطة تعكس توجه المملكة نحو تعزيز ركائز الدولة الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية للمواطنين، وتسريع وتيرة التنمية الترابية، إلى جانب تقوية السيادة الاقتصادية والاستراتيجية للمغرب.

ووفق بلاغ للديوان الملكي، قدم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية عرضا حول الخطوط العريضة لمشروع قانون المالية للسنة المقبلة، طبقا لأحكام الفصل 49 من الدستور، مستحضرا السياق الدولي الذي يتسم بتصاعد التوترات الجيوستراتيجية، واتساع النزعات الحمائية، واشتداد المنافسة الدولية على مصادر الطاقة والتكنولوجيا والتمويل.

وفي مقابل هذه التحديات، أبرز العرض أن الاقتصاد الوطني يرتقب أن يسجل نموا بنسبة 4,7 في المائة عند متم السنة الجارية، بالتوازي مع حصر معدل التضخم في حدود 0,7 في المائة، وتقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهي مؤشرات تندرج ضمن مساعي الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية وتوفير شروط مواصلة الإصلاحات والأوراش التنموية.

الدولة الاجتماعية في صلب الأولويات

ويضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 دعم القدرة الشرائية للمواطنين وتوطيد أسس الدولة الاجتماعية في مقدمة أولوياته، من خلال إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار ابتداء من السنة المقبلة، واتخاذ تدابير تروم تحسين الظروف المعيشية للأسر وتعزيز الحماية الاجتماعية.

وفي هذا الإطار، يرتقب مواصلة تعميم التغطية الصحية والعمل على ضمان استدامة أنظمتها، إلى جانب الرفع من قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، وتعزيز الاستثمار في تأهيل المنظومتين العموميتين للصحة والتعليم، فضلا عن مواصلة تنزيل برنامج الدعم المباشر للسكن، بما يدعم الولوج إلى السكن اللائق.

وتعكس هذه التدابير توجها نحو تعزيز البعد الاجتماعي للسياسات العمومية، من خلال الجمع بين توسيع الاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات الأساسية، مع الرهان على أن تترجم هذه الإجراءات إلى أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطنين.

برنامج وطني مندمج للشباب بين 2027 و2031

ويحظى الشباب بمكانة بارزة ضمن التوجهات العامة لمشروع قانون المالية المقبل، من خلال إطلاق برنامج وطني مندمج للفترة الممتدة بين 2027 و2031، يستهدف تعزيز فرص الإدماج في التعليم والتكوين والشغل اللائق.

ويقوم هذا البرنامج على توجيه الشباب نحو مسارات التكوين والمواكبة المهنية، وتيسير ولوجهم إلى التمويل والضمان والأسواق، بما يفتح أمامهم آفاقا أوسع للمبادرة الاقتصادية وإحداث المقاولات وتحقيق الاستقلالية المالية والاجتماعية.

ويؤكد البلاغ الملكي أن المرحلة المقبلة تستدعي تجاوز تشتت البرامج القطاعية التي لم تعد كافية للاستجابة لمختلف انتظارات الشباب، والانتقال إلى سياسة وطنية متكاملة تواكب مسارهم من التعليم والتكوين إلى التشغيل والسكن والاستقرار الاجتماعي.

ويبرز هذا التوجه أهمية اعتماد مقاربة شمولية تجعل من الشباب فاعلا أساسيا في التنمية، بدل الاقتصار على تدخلات متفرقة، مع ربط التكوين بحاجيات سوق الشغل وتوفير آليات عملية للمواكبة والتمويل.

25 مليار درهم لتسريع التنمية الترابية المندمجة

وفي ما يتعلق بالتنمية المجالية، يراهن مشروع قانون المالية لسنة 2027 على تسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، من خلال تخصيص اعتمادات مالية تقدر بـ25 مليار درهم، تفعيلا للتوجيهات الملكية الرامية إلى تحقيق تنمية أكثر توازنا واستجابة لاحتياجات المواطنين بمختلف جهات المملكة.

وتندرج هذه الخطوة ضمن مسار يروم تعزيز الجهوية المتقدمة، عبر إعادة هندسة اختصاصات الجهات وفق منطق الوضوح والنجاعة، وتقوية التنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، إلى جانب التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري.

ويستهدف هذا التوجه تحسين حكامة المشاريع التنموية، وتعزيز الالتقائية بين السياسات العمومية، وتوجيه الاستثمارات نحو الأولويات المحلية، بما يساهم في تقليص الفوارق المجالية وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية والبنيات التحتية وفرص الشغل.

وتظل فعالية هذه البرامج مرتبطة بمدى قدرتها على تحويل الاعتمادات المالية إلى مشاريع ملموسة، وضمان حسن التنفيذ والتتبع والتقييم، بما يجعل التنمية الترابية أداة لتحسين ظروف العيش وتعزيز العدالة المجالية.

السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية

وتشكل السيادة الاستراتيجية إحدى الركائز الأساسية لمشروع قانون المالية المقبل، في ظل التحولات الدولية وتزايد التحديات المرتبطة بالأمن الطاقي والغذائي والمائي والتكنولوجي.

وفي هذا السياق، يولي المشروع أهمية خاصة لتعزيز الأمن المائي، وتسريع تطوير الطاقات المتجددة، ومواصلة تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر، إلى جانب التقدم التدريجي في تنفيذ خارطة طريق البنية التحتية للغاز.

كما تشمل التوجهات المرتقبة اتخاذ تدابير لتعزيز الأمن الغذائي وتقوية السيادة الرقمية الوطنية، بما يدعم قدرة المملكة على مواجهة التقلبات الخارجية وتقليص مواطن الهشاشة في القطاعات الاستراتيجية.

ويعكس هذا الاختيار توجها نحو بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات الدولية، من خلال تنويع مصادر الطاقة، وتحسين تدبير الموارد، وتطوير القدرات الوطنية في المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية.

اقتصاد قوي واستثمار خاص لدعم الأوراش الكبرى

أما الأولوية الخامسة، فتتمثل في بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية والسيادية للمملكة، مع تسريع الإصلاحات المؤسساتية والحفاظ على استقرار التوازنات الاقتصادية والمالية.

ويهدف هذا التوجه إلى توفير الموارد اللازمة لإنجاز المشاريع التنموية الكبرى وتنزيل الاستراتيجيات القطاعية، فضلا عن تطوير منظومات صناعية سيادية جديدة من شأنها تعزيز الإنتاج الوطني وتقوية تنافسية الاقتصاد المغربي.

وفي موازاة ذلك، يولي مشروع قانون المالية أهمية خاصة لتشجيع الاستثمار الخاص، من خلال توطيد آليات الدعم المنصوص عليها في ميثاق الاستثمار، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، مع إيلاء عناية خاصة للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.

وتشكل هذه المقاولات أحد المكونات الأساسية للنسيج الاقتصادي الوطني، بالنظر إلى دورها في خلق فرص الشغل وتحريك الدورة الاقتصادية وتعزيز المبادرة المقاولاتية. ومن شأن تحسين شروط التمويل والمواكبة وتبسيط المساطر أن يساهم في توسيع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج.

رهان التوفيق بين الطموح الاجتماعي والتوازنات المالية

وتبرز التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 سعيا إلى تحقيق التوازن بين الاستجابة للانتظارات الاجتماعية للمواطنين، وتعزيز فرص الشباب، وتسريع التنمية الترابية، وتقوية السيادة الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة.

وبين رفع الدعم الاجتماعي وتخصيص 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة، وإطلاق برنامج وطني جديد للشباب، تتجه أولويات المرحلة المقبلة نحو تعزيز دور الدولة في مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، مع الحفاظ على استقرار المالية العمومية.

ويبقى التحدي الأساسي في قدرة هذه التوجهات على الانتقال من مستوى البرمجة والاعتمادات المالية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، سواء من خلال تحسين القدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية، أو توسيع فرص الشغل والاستثمار، أو تقليص الفوارق بين المجالات الترابية.

وبذلك، يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 إطارا لتحديد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية للمملكة خلال السنة المقبلة، في أفق ترسيخ أسس تنمية أكثر شمولا واستدامة، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على تمويل الطموحات الاجتماعية والاستراتيجية للمغرب.

Ji
Jisrpress

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *