تونس .. مسيرة تطالب برحيل نظام “قيس سعيد”
عادت الاحتجاجات إلى قلب العاصمة التونسية، اليوم السبت، في مشهد يعكس تصاعد القلق الاجتماعي والسياسي إزاء الأوضاع المعيشية وتراجع الثقة في أداء السلطة، بعدما احتشد متظاهرون في ساحة محمد علي الحامي، استجابة لدعوة منظمات وطنية ونقابية، للمطالبة بتحسين ظروف العيش، وصون الحريات العامة، وضمان استقلالية القضاء، في تحرك رفع شعار: «تونس أولا.. والشعب فوق كل اعتبار».
ولم تكن هذه المسيرة مجرد تجمع احتجاجي عابر، بل حملت رسائل سياسية واجتماعية واضحة، عبر شعارات عبّرت عن الغضب من ارتفاع الأسعار وتفاقم الفقر، وعن رفض التضييق على حرية التعبير والعمل النقابي والمدني والسياسي. وردد المشاركون هتافات تطالب برحيل الحكومة، من بينها «يا حكومة الفشل والرحيل هو الحل»، إلى جانب الشعار التاريخي للحركة الاجتماعية التونسية: «شغل، حرية، كرامة وطنية».
الغضب الاجتماعي يطرق أبواب السياسة
تضع المطالب المرفوعة خلال المسيرة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في صلب المواجهة بين الشارع والسلطة. فغلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتزايد الإحساس بالهشاشة المعيشية تشكل، وفق الشعارات التي رفعها المحتجون، عناصر أساسية في حالة الاحتقان التي تسعى المنظمات الداعية إلى التحرك إلى التعبير عنها.
وفي مثل هذه الظروف، لا يعود النقاش محصورا في المؤشرات الاقتصادية أو الوعود الحكومية، بل يمتد إلى مدى قدرة السياسات العمومية على إحداث تحسن ملموس في حياة المواطنين، وتوفير فرص الشغل، وصون الكرامة الإنسانية، وضمان وصول الفئات المتضررة إلى شروط عيش أكثر استقرارا.
وتكشف المطالب المرفوعة عن رغبة المحتجين في ربط الإصلاح الاقتصادي بالحقوق السياسية والمدنية، باعتبار أن معالجة الأزمات المعيشية لا تنفصل، في نظرهم، عن توفير فضاء عام يسمح بالنقد والمساءلة والاحتجاج السلمي.
الحريات العامة في قلب المواجهة
إلى جانب المطالب الاجتماعية، برزت حرية التعبير والصحافة والتظاهر السلمي واستقلالية القضاء ضمن أبرز محاور المسيرة، في إشارة إلى أن جزءا من الحراك يتجاوز المطالبة بتحسين القدرة الشرائية نحو الدفاع عن ضمانات العمل الديمقراطي واستقلال المؤسسات.
وأكدت الجهات المشاركة تمسكها بحق المحاكمة العادلة، ورفض التضييق على الحريات العامة والفردية، والتشديد على استقلالية العمل النقابي والمدني والسياسي. وهي مطالب تضع العلاقة بين الدولة والمجتمع أمام اختبار يتعلق بمدى استيعاب الاختلاف، وضمان الحق في الاحتجاج، وفتح المجال أمام التعبير السلمي عن المواقف المعارضة.
فالاستقرار السياسي لا يُقاس فقط بقدرة المؤسسات على فرض النظام، بل كذلك بمدى ثقة المواطنين فيها، وبقدرتهم على التعبير عن مطالبهم دون خوف، وبوجود قنوات فعلية للحوار والمحاسبة.
تنسيق نقابي ومدني لتوحيد الاحتجاج
وتأتي هذه المسيرة استجابة لدعوة الإطار التنسيقي الذي أُعلن عنه في 29 سبتمبر الماضي، عقب توقيع بيان مشترك بين تسع منظمات مدنية ونقابية، اتفقت على إطلاق برنامج موحد من التحركات لمتابعة التطورات الوطنية والدفاع عن الحريات العامة والفردية.
ويعكس هذا التنسيق توجها نحو تجميع الجهود النقابية والمدنية في مواجهة الملفات التي تعتبرها الجهات المشاركة ذات أولوية، بما يمنح التحركات الاحتجاجية إطارا تنظيميا مشتركا، بدلا من بقائها مبادرات متفرقة ومحدودة التأثير.
غير أن قدرة هذا الإطار على تحويل الشعارات إلى قوة ضغط مستمرة ستظل مرتبطة بمدى اتساع المشاركة الشعبية، واستمرارية التنسيق بين مكوناته، وقدرته على بلورة مطالب واضحة وقابلة للتنفيذ، مع الحفاظ على الطابع السلمي للتحركات.
اختبار جديد للسلطة التونسية
تضع هذه التعبئة السلطة التونسية أمام تحد مزدوج: الاستجابة للمطالب الاجتماعية المتصلة بتكاليف المعيشة وفرص الشغل، والتعامل مع المطالب السياسية والحقوقية المتعلقة بالحريات واستقلال القضاء.
ولا تعني المسيرة، في حد ذاتها، أن موازين القوى قد تغيرت أو أن رحيل الحكومة بات أمرا وشيكا، لكنها تمثل مؤشرا على استمرار وجود مطالب اجتماعية وحقوقية تسعى أطراف مدنية ونقابية إلى إبقائها في صدارة النقاش العام.
وتبقى كيفية تعامل السلطات مع هذا التحرك عاملا أساسيا في تحديد مساره اللاحق؛ فالحوار والاستجابة للمطالب المشروعة يمكن أن يفتحا الباب أمام تخفيف الاحتقان، بينما قد يؤدي تجاهلها أو التعامل معها بمنطق التضييق إلى تعميق فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم.
و تعيد مسيرة تونس طرح سؤال جوهري حول العلاقة بين الشرعية السياسية والواقع المعيشي والحريات العامة. فالشعارات التي ارتفعت في ساحة محمد علي الحامي تختصر معادلة لا يمكن فصل عناصرها: مواطن يبحث عن حياة كريمة، ومجتمع يطالب بحقوقه، وسلطة مطالبة بإثبات قدرتها على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة.
ويبقى الشارع، بما يحمله من مطالب وتطلعات، رسالة سياسية لا يمكن اختزالها في عدد المشاركين أو مدة الاحتجاج؛ لأن جوهرها يتعلق بمدى قدرة الدولة على الاستماع إلى مواطنيها، ومعالجة أسباب الغضب، وضمان أن تظل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ركائز أساسية في الحياة العامة التونسية.






