سياسة

سبتة ومليلية.. ستة قرون من المواجهة ومحاولات مغربية لم تُنهِ الوجود الإسباني

جسر بريس 7 دقائق للقراءة
Jisrpress

من حصار سبتة في القرن الخامس عشر إلى حملات الدولة العلوية.. كيف جعل الموقع الاستراتيجي والتحصينات والتفوق البحري استعادة المدينتين مهمة معقدة؟

Jisrpress

لم تكن سبتة ومليلية مجرد مدينتين غابتا عن السيادة المغربية بفعل التحولات التي عرفتها المنطقة خلال القرون الماضية، بل شكلتا محوراً لمواجهات عسكرية وسياسية متعاقبة، حاولت خلالها الدولة المغربية استعادة المدينتين وإنهاء الوجود الإيبيري على جزء من الساحل الشمالي للمملكة. فمنذ سقوط سبتة في يد البرتغاليين سنة 1415، ثم سيطرة الإسبان على مليلية سنة 1497، ظلت المدينتان حاضرتين في تاريخ العلاقات المغربية الأوروبية، باعتبارهما نقطتي تماس استراتيجيتين في غرب البحر الأبيض المتوسط.

وتكشف الوقائع التاريخية أن محاولات استرجاعهما لم تكن مجرد احتجاجات سياسية أو مطالب رمزية، بل اتخذت في مراحل مختلفة شكل حصارات عسكرية طويلة وحملات مدفعية ومواجهات مباشرة مع القوات الأوروبية. غير أن هذه المحاولات، رغم ما عكسته من إرادة لاستعادة المدن الساحلية، اصطدمت بعوامل جغرافية وعسكرية وسياسية جعلت حسم المعركة أكثر تعقيداً مما كان عليه الأمر في مدن أخرى نجح المغرب في استرجاعها.

سبتة سنة 1415.. بداية التحول في موازين القوة

في 21 غشت 1415، استولت القوات البرتغالية بقيادة الملك جواو الأول على مدينة سبتة، في محطة بارزة من محطات التوسع البرتغالي نحو شمال إفريقيا. ولم يكن اختيار المدينة اعتباطياً، إذ منحها موقعها القريب من مضيق جبل طارق أهمية استراتيجية كبيرة، سواء لمراقبة حركة الملاحة البحرية أو لتأمين المصالح التجارية والعسكرية للبرتغال في المنطقة.

لكن سقوط سبتة لم ينهِ محاولات استعادتها. ففي سنة 1419، تحرك السلطان المريني أبو سعيد عثمان الثالث في محاولة لاسترجاع المدينة، بمشاركة قوات من غرناطة، غير أن الحامية البرتغالية تمكنت من الصمود، مستفيدة من وصول الإمدادات والتعزيزات عبر البحر.

وكانت تلك المواجهة مؤشراً مبكراً إلى طبيعة التحدي الذي سيواجه المغرب خلال القرون التالية: فاستعادة مدينة ساحلية محصنة لا تتوقف على حشد القوات البرية وحده، بل ترتبط أيضاً بالقدرة على قطع خطوط الإمداد البحرية ومنع الخصم من تجديد قدراته الدفاعية.

مليلية سنة 1497.. ترسيخ الوجود الإسباني

بعد سبتة، انتقلت المنافسة الإيبيرية على الساحل المغربي إلى مليلية، التي سيطرت عليها قوات مرتبطة بدوق مدينة سيدونيا سنة 1497، في سياق التوسع الإسباني في شمال إفريقيا.

وعملت السلطات الإسبانية على تثبيت وجودها العسكري وتحصين المدينة، لتتحول تدريجياً إلى نقطة استراتيجية على الساحل المتوسطي، ومركز متقدم للوجود الإسباني في مواجهة المجال المغربي.

ومنذ ذلك التاريخ، ظلت مليلية مرتبطة بمحاولات مغربية متعاقبة لاستعادتها، غير أن التحصينات الدفاعية والدعم البحري الإسباني جعلا إخضاعها عسكرياً أمراً بالغ الصعوبة، وهو ما ظهر بوضوح خلال الحصار الكبير الذي قاده السلطان محمد بن عبد الله في القرن الثامن عشر.

مولاي إسماعيل.. استعادة الثغور ومحاصرة سبتة

مع قيام الدولة العلوية، برز السلطان مولاي إسماعيل، الذي حكم بين سنتي 1672 و1727، باعتباره أحد أبرز السلاطين الذين عملوا على تقوية السلطة المركزية وتعزيز القدرات العسكرية للمغرب، إلى جانب السعي لاستعادة عدد من المدن الساحلية الواقعة تحت السيطرة الأجنبية.

وخلال عهده، استعاد المغرب المعمورة سنة 1681، وعادت طنجة إلى السيطرة المغربية سنة 1684 بعد إخلائها من القوات الإنجليزية، كما استُعيدت العرائش من الإسبان سنة 1689، وأصيلة سنة 1691.

وتوضح هذه المحطات أن استعادة المدن الساحلية لم تكن أمراً مستحيلاً، لكنها كانت مرتبطة بطبيعة الوضع العسكري والسياسي لكل مدينة، وبمدى قدرة المغرب على استغلال الظروف الدولية والمحلية لتحقيق أهدافه.

غير أن سبتة شكلت استثناءً بارزاً. ففي سنة 1694، بدأ الجيش المغربي حصاراً واسعاً للمدينة، قاده علي بن عبد الله، واستمرت المواجهات على مراحل حتى سنة 1727، في صراع ارتبط تاريخياً بما يعرف بحصار سبتة الطويل.

واعتمدت القوات المغربية على تطويق المدينة وقصف تحصيناتها ومحاولة إنهاك الحامية الإسبانية، لكن استمرار وصول المؤن والتعزيزات بحراً ساهم في إفشال استراتيجية الحصار البري. كما تداخلت المواجهة مع تحولات أوروبية مهمة، من بينها حرب الخلافة الإسبانية، واستيلاء الإنجليز على جبل طارق سنة 1704، بما أفرزه ذلك من تغيرات في التوازنات الاستراتيجية المحيطة بالمضيق.

وبوفاة مولاي إسماعيل سنة 1727، انتهت هذه المرحلة دون استعادة سبتة، بعدما استنزف الحصار موارد بشرية وعسكرية كبيرة، في وقت دخل فيه المغرب مرحلة من الاضطرابات السياسية المرتبطة بالصراع على العرش.

محمد بن عبد الله.. حصار مليلية سنة 1774

بعد عقود، عادت مليلية إلى واجهة المواجهة في عهد السلطان محمد بن عبد الله، المعروف بمحمد الثالث، الذي حكم بين سنتي 1757 و1790.

ففي 9 دجنبر 1774، انطلق الحصار المغربي للمدينة، بمشاركة قوات استخدمت المدفعية في محاولة لإضعاف التحصينات الإسبانية وفتح ثغرات تسمح باقتحامها. وجاءت الحملة في سياق سعي الدولة المغربية إلى تعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع هامش تحركها في مواجهة الوجود الأوروبي على الساحل.

لكن الحامية الإسبانية تمكنت من الصمود، مستفيدة من طبيعة التحصينات ومن وصول الإمدادات عبر البحر، فضلاً عن صعوبة تحقيق اختراق عسكري حاسم في مواجهة دفاعات معدة لمقاومة الحصار.

وفي 19 مارس 1775، انتهت الحملة بانسحاب القوات المغربية دون استعادة المدينة.

وتبرز هذه المواجهة أن امتلاك المدفعية وحشد القوات لا يكفيان وحدهما لتحقيق النصر في الحروب الساحلية، خصوصاً عندما يحتفظ الطرف المدافع بقدرة مستمرة على التموين والتعزيز، ويستطيع تحويل التحصينات إلى عامل يرفع كلفة الهجوم ويطيل أمد المواجهة.

مولاي اليزيد.. تجدد المواجهة حول سبتة

لم تتوقف محاولات إخضاع سبتة بعد حصار مولاي إسماعيل. ففي عهد السلطان مولاي اليزيد، الذي تولى الحكم سنة 1790، تجددت المواجهة مع إسبانيا، وشهدت المدينة عمليات قصف وحصار خلال تلك المرحلة.

ومرة أخرى، لم تتمكن القوات المغربية من إسقاط المدينة، في ظل استمرار صمود الحامية الإسبانية واستفادتها من التحصينات والإمدادات البحرية.

وهكذا، تكررت النتيجة نفسها التي عرفتها محاولات سابقة: قدرة مغربية على حشد القوات وفرض الضغط العسكري، مقابل صعوبة تحويل ذلك الضغط إلى سيطرة فعلية على مدينة محصنة ترتبط بخطوط إمداد خارجية.

لماذا استعاد المغرب مدناً ساحلية ولم يستعد سبتة ومليلية؟

تطرح المقارنة بين استعادة المعمورة وطنجة والعرائش وأصيلة، وبين إخفاق الحملات المغربية حول سبتة ومليلية، سؤالاً تاريخياً مهماً حول طبيعة العوامل التي صنعت هذا الاختلاف.

أول هذه العوامل هو الموقع الجغرافي. فالقرب من شبه الجزيرة الإيبيرية أتاح للقوات البرتغالية والإسبانية الاحتفاظ بخطوط إمداد بحرية قادرة على دعم الحاميات خلال فترات الحصار، وهو ما حدّ من فعالية الضغط البري المغربي.

أما العامل الثاني، فيتمثل في التحصينات العسكرية التي راكمتها المدينتان عبر الزمن. فقد تطورت أنظمتهما الدفاعية بما جعل اقتحامهما يتطلب استعداداً عسكرياً وموارد كبيرة، مع احتمال تكبد خسائر مرتفعة دون ضمان تحقيق الهدف.

ويتمثل العامل الثالث في كلفة الحروب الطويلة، التي تتطلب تمويلاً مستمراً وتوفير الذخائر والمؤن والحفاظ على تماسك القوات. كما أن التحولات السياسية داخل المغرب وأوروبا أثرت في قدرة الأطراف على مواصلة المواجهات، وفي طبيعة التحالفات والتوازنات المحيطة بها.

وبالتالي، لا يمكن تفسير تعثر استعادة سبتة ومليلية بعامل منفرد، بل ينبغي فهمه في إطار تفاعل الجغرافيا والقوة البحرية والتحصينات والموارد والتحولات الدولية.

من الحصار العسكري إلى النزاع السياسي حول السيادة

مع مرور القرون، تغيرت طبيعة المواجهة حول سبتة ومليلية. فقد تراجعت الحملات العسكرية التقليدية، لكن الخلاف حول السيادة على المدينتين ظل قائماً ضمن العلاقات المغربية الإسبانية.

فالمغرب يعتبر سبتة ومليلية جزءاً من وحدته الترابية، بينما تتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما وتديرهما ضمن نظام الحكم الذاتي الإسباني.

ومن المهم تاريخياً التمييز بين المسار الخاص بالمدينتين وبين نظام الحماية الذي فُرض على المغرب سنة 1912، إذ يعود الوجود البرتغالي في سبتة والإسباني في مليلية إلى قرون سبقت ذلك التاريخ. وهو ما يجعل ملف المدينتين مرتبطاً بتاريخ أقدم من مرحلة التقسيم الاستعماري للمغرب في مطلع القرن العشرين.

وفي السياق المعاصر، لم يعد النقاش مقتصراً على سرد الوقائع العسكرية، بل امتد إلى القانون الدولي والتاريخ الدبلوماسي ومفهوم السيادة، فضلاً عن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، التي تجمع بين ملفات التعاون الاقتصادي والأمني والهجرة وبين القضايا العالقة المرتبطة بالمدينتين.

ستة قرون من المواجهة.. ماذا تقول الذاكرة التاريخية؟

من محاولة السلطان المريني أبي سعيد عثمان الثالث سنة 1419، مروراً بحصار مولاي إسماعيل الطويل لسبتة، ثم حملة محمد بن عبد الله على مليلية، وصولاً إلى تجدد المواجهة في عهد مولاي اليزيد، يتضح أن استعادة المدينتين ظلت هدفاً حاضراً في مراحل مختلفة من تاريخ المغرب.

وفي المقابل، تكشف استعادة مدن ساحلية أخرى أن الدولة المغربية استطاعت، في ظروف معينة، إنهاء السيطرة الأجنبية على مواقع استراتيجية، لكن نجاحها في بعض الجبهات لم يتكرر في سبتة ومليلية، بفعل خصوصية الموقع والتحصينات واستمرار الدعم البحري الأوروبي.

إن قراءة هذا التاريخ لا تقتضي الاكتفاء باستحضار محاولات الاستعادة أو تسجيل نتائجها العسكرية، بل تستدعي فهم السياقات التي صنعتها، والتمييز بين الإرادة السياسية والقدرة العملية على تغيير موازين القوة.

فسبتة ومليلية ليستا مجرد فصل من الماضي، بل ملف تاريخي وسياسي ما زال حاضراً في العلاقات المغربية الإسبانية. وبين الذاكرة التاريخية والواقع الدبلوماسي، يبقى السؤال الأساسي هو كيف يمكن إدارة هذا الإرث الممتد لقرون في إطار مقاربة تستحضر التاريخ، وتفهم تعقيدات الحاضر، وتبحث عن آفاق المستقبل.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *