الصحراء المغربية

152 دولة تصطف خلف القرار الأممي بشأن الصحراء المغربية.. رسالة سياسية جديدة إلى النظام الجزائري

جسر بريس 6 دقائق للقراءة

عز الدين السريفي

منطق التصعيد يتراجع أمام الواقعية الدولية، والقرار 2797 يعيد رسم معالم التسوية على أساس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

لم يكن تصويت 152 دولة لصالح القرار السنوي للجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الصحراء المغربية مجرد إجراء أممي روتيني، بل حمل في طياته رسالة سياسية واضحة إلى النظام الجزائري مفادها أن استمرار الرهان على إطالة أمد النزاع لم يعد قادراً على تغيير اتجاه المسار الدولي، الذي بات يمنح الأولوية للحلول الواقعية والعملية القائمة على قرارات مجلس الأمن.

ورغم أن القرار لم يشهد تعديلات جوهرية مقارنة بالنصوص المعتمدة خلال السنوات الماضية، فإن الإشارة الصريحة إلى القرار التاريخي رقم 2797 لمجلس الأمن تمنحه أهمية سياسية خاصة، باعتباره يعكس تطوراً في مرجعية معالجة النزاع، ويؤكد أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي أصبحت أساساً مركزياً في البحث عن تسوية سياسية في إطار السيادة المغربية.

الجزائر أمام حقيقة التحول الدولي

إن تصويت 152 دولة لصالح القرار، مقابل صوتين معارضين وسبع حالات امتناع، يكشف اتساع قاعدة الدعم للنص الأممي، ويضع النظام الجزائري أمام سؤال جوهري: إلى متى سيستمر في التعامل مع قضية الصحراء المغربية بمنطق المواجهة السياسية، بينما تدفع الأمم المتحدة باتجاه حل تفاوضي واقعي ودائم؟

لا يتعلق الأمر هنا بمجرد حساب الأصوات، ولا يجوز اعتبار كل صوت مؤيد للقرار إعلاناً مستقلاً عن موقف الدولة من جميع تفاصيل النزاع، لكن الدلالة السياسية الأهم تكمن في اعتماد النص بأغلبية واسعة، وفي إدراج الإحالة إلى القرار 2797 ضمن سياق دولي يطالب الأطراف المعنية بالانخراط الجاد في العملية السياسية.

لقد أصبح من الصعب تجاهل التحول الذي تعرفه مقاربة مجلس الأمن، خصوصاً مع تصاعد الدعوات إلى تجاوز الشعارات الجامدة والانتقال إلى مفاوضات عملية تستند إلى المقترحات القابلة للتطبيق، وفي مقدمتها المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

وبالنسبة إلى الجزائر، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في إصدار بيانات الرفض أو التشبث بمواقف تقليدية، بل في تحديد ما إذا كانت مستعدة للتفاعل مع التحولات الدولية بواقعية سياسية، أم أنها ستواصل استنزاف إمكاناتها الدبلوماسية في نزاع طال أمده دون أن يحقق الرهانات التي تأسست عليها مقاربتها.

القرار 2797.. مرجعية لا يمكن تجاوزها

تكتسب الإشارة إلى القرار 2797 أهمية استثنائية، لأنها تنقل النقاش من مجرد تكرار المواقف العامة إلى استحضار مرجعية حديثة لمجلس الأمن، تضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي في صلب المسار السياسي.

وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل الموجهة إلى الجزائر: إن المفاوضات المقبلة لا يمكن أن تنفصل عن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا يمكن التعامل مع التطورات الأممية كما لو أن المسار السياسي لم يعرف أي تحول.

فالمغرب، الذي صوّت لصالح القرار، يؤكد من خلال موقفه تمسكه بالمسار الأممي وبالحل السياسي الذي ينسجم مع مبادرته، فيما يظل التحدي أمام الأطراف الأخرى هو الانتقال من إدارة الخلاف إلى البحث الجدي عن تسوية قابلة للاستمرار.

كما أن استحضار جولات المفاوضات التي احتضنتها واشنطن ومدريد، وفق المعطيات الواردة في هذا الملف، يعزز أهمية المرحلة الحالية، ويجعل أي محاولة للعودة إلى نقطة الصفر بعيدة عن مقتضيات الدينامية الدبلوماسية القائمة.

التصويت الأمريكي.. إجراء إجرائي ودلالات سياسية

ومن الضروري التمييز بين مضمون القرار وطريقة التصويت عليه. فبحسب المعطيات المقدمة، جاء التصويت الاستثنائي بناء على طلب البعثة الأمريكية، في إطار توجه يرمي إلى إخضاع مشاريع القرارات المعروضة على اللجنة الرابعة للتصويت، بما فيها النصوص التي اعتادت الجمعية العامة اعتمادها بالتوافق أو دون تصويت.

وعليه، لا يصح تفسير هذه الخطوة وحدها باعتبارها تصويتاً أمريكياً جديداً على جميع تفاصيل قضية الصحراء، لأنها ارتبطت بإجراء شمل مشاريع قرارات متعددة. غير أن اعتماد القرار بأغلبية واسعة، مع تضمينه الإحالة إلى القرار 2797، يظل عنصراً سياسياً مهماً في قراءة التطورات الراهنة.

إن القراءة الرصينة للمشهد تقتضي الفصل بين الإجراء التنظيمي الذي أدى إلى التصويت، وبين مضمون النص وما يحمله من إشارات إلى مسار التسوية. وهذه الدقة ضرورية حتى لا تتحول المعركة الدبلوماسية إلى مجرد تضخيم للأرقام، بدل التركيز على التحولات الفعلية في المرجعيات الدولية.

مسؤولية الجزائر.. الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

إن تجديد الدعوة إلى انخراط المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو في العملية السياسية بحسن نية يضع الجزائر أمام مسؤولية سياسية لا يمكن تجاوزها.

فإذا كانت الجزائر تؤكد باستمرار تمسكها بالحل الأممي، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في الاستعداد للمساهمة في مسار تفاوضي جاد، بعيداً عن منطق المناورة أو محاولة تعطيل أي صيغة لا تنسجم مع حساباتها السياسية.

ولا يمكن لأي حل دائم أن يتحقق عبر استمرار التوتر الإقليمي أو تحويل قضية الصحراء المغربية إلى أداة لتغذية الخلافات بين دول المغرب العربي. فاستمرار النزاع لا يعرقل فقط فرص التقارب بين الرباط والجزائر، بل يحد أيضاً من إمكانات التكامل الاقتصادي والأمني والتنمية المشتركة في منطقة تحتاج إلى التعاون أكثر من حاجتها إلى الصراعات المفتوحة.

لقد أثبتت التجربة أن إطالة النزاعات لا تعني بالضرورة تحسين شروط التفاوض، وأن الجمود قد يتحول مع مرور الوقت إلى عبء سياسي واستراتيجي على الأطراف التي تراهن عليه.

المغرب يراكم المكاسب.. والمرحلة تتطلب الواقعية

في المقابل، يواصل المغرب الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحاً سياسياً يقدمه لتسوية النزاع في إطار سيادته الوطنية، مستنداً إلى مسار دبلوماسي متواصل وإلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

ولا تكمن أهمية المرحلة الحالية في رقم التصويت وحده، بل في تفاعل القرار السنوي للجمعية العامة مع المرجعية التي أقرها مجلس الأمن، وفي الدعوة إلى تكثيف المفاوضات والعمل من أجل حل سياسي واقعي وبراغماتي ودائم.

وبالنسبة إلى الرباط، فإن الرهان يتمثل في مواصلة التحرك الدبلوماسي، وتوضيح مضامين الحكم الذاتي، وتعزيز حضورها الدولي، مع الحرص على عدم الخلط بين الدعم السياسي للنص الأممي وبين المواقف التفصيلية لكل دولة من مختلف جوانب النزاع.

أما الجزائر، فإن استمرار التشبث بالمواقف الرافضة دون تقديم مساهمة عملية في تهيئة شروط التسوية سيجعلها أمام تناقض متزايد بين خطابها المعلن بشأن الحل الأممي ومتطلبات المرحلة السياسية الجديدة.

الخلاصة: هل تلتقط الجزائر رسالة المرحلة؟

إن تصويت 152 دولة لصالح القرار السنوي بشأن الصحراء المغربية، وإدراج الإحالة إلى القرار 2797، لا يعنيان أن الملف حُسم نهائياً داخل الجمعية العامة، ولا أن جميع تفاصيل التسوية أصبحت محسومة، لكنهما يؤكدان أن المسار الأممي يواصل التحرك ضمن مرجعيات سياسية تتطلب من الأطراف التعامل معها بجدية.

والرسالة الأوضح إلى النظام الجزائري هي أن الزمن الدبلوماسي لا يتوقف عند المواقف التقليدية، وأن التحولات الدولية تفرض مراجعة الحسابات عندما تصبح الواقعية شرطاً أساسياً للتقدم نحو الحل.

فبدلاً من استنزاف المنطقة في صراع مفتوح، تستطيع الجزائر أن تختار الانخراط المسؤول في مسار سياسي يفتح آفاقاً جديدة للتعاون المغاربي، ويضع مصالح شعوب المنطقة فوق حسابات الخصومة.

أما مواصلة الرهان على الجمود، فلن تؤدي إلا إلى إطالة النزاع وتأجيل فرص التنمية والتكامل. وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لأي موقف دبلوماسي لا تقاس بحدة الخطاب، بل بقدرته على إنتاج حلول واقعية تحفظ الاستقرار وتفتح الطريق أمام المستقبل.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *