سبتة ومليلية ليستا إسبانيتين بمجرد تكرار الشعارات.. ردا على تصريحات روبليس
عز الدين السريفي
في توقيت يسبق الزيارة المرتقبة للملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة المحتلة، اختارت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغريتا روبليس، أن تجدد خطابها بشأن المدينتين، واصفة إياهما بأنهما «إسبانيتان جداً»، في تصريح يعيد إلى الواجهة ملفاً تاريخياً وسياسياً لا يمكن حسمه بتكرار الشعارات أو توظيف الرموز السيادية.
إن القول إن سبتة ومليلية «إسبانيتان جداً» لا يغيّر من حقيقة أن المغرب يتمسك بمغربية المدينتين، ويرفض استمرار وضعهما خارج سيادته الوطنية. فالقضايا المرتبطة بالتاريخ والجغرافيا والسيادة لا تُحسم بعبارات انفعالية، ولا تتحول التصريحات الرسمية، مهما علت مكانة أصحابها، إلى بديل عن الحوار السياسي المسؤول.
واللافت أن هذه التصريحات صدرت عن وزيرة الدفاع الإسبانية خلال تواصلها مع الجنود المتمركزين في الثغرين المحتلين، بمناسبة العيد الوطني الإسباني، حين قدمت المدينتين باعتبارهما تجسيداً لـ«أفضل صورة لإسبانيا». وهو خطاب يكرس الرؤية الرسمية الإسبانية، لكنه يتجاهل أن المغرب يعتبر ملف سبتة ومليلية جزءاً من القضايا التاريخية العالقة بين البلدين، وأن مستقبل العلاقات الثنائية لا ينبغي أن يبقى رهيناً بمنطق فرض الأمر الواقع.
زيارة ملكية أم رسالة سيادية؟
تكتسب الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية حساسية خاصة، بالنظر إلى رمزية المؤسسة الملكية في النظام الإسباني، وما تحمله الزيارات الرسمية من رسائل تتجاوز طابعها البروتوكولي. فاستقبال المفاتيح الذهبية، واللقاءات مع السلطات المحلية، والظهور الرسمي داخل المدينتين، كلها مظاهر تؤكد تشبث مدريد بإدارتهما، لكنها لا تنهي الخلاف السياسي والتاريخي بشأن وضعهما.
ومن هنا، فإن التعامل مع الزيارة باعتبارها حدثاً احتفالياً داخلياً فقط يتجاهل أبعادها الإقليمية والدبلوماسية. فحين تتزامن الزيارة مع تصريحات تؤكد إسبانية المدينتين بصيغة قطعية، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت مدريد تسعى إلى تثبيت موقفها السياسي عبر الرمزية الملكية، في وقت تحتاج فيه العلاقات المغربية الإسبانية إلى خطاب أكثر توازناً وحساسية تجاه الملفات العالقة.
الشراكة لا تعني إسكات الخلافات
لقد شهدت العلاقات بين الرباط ومدريد محطات من التقارب والتعاون، خصوصاً في مجالات الأمن والهجرة والتجارة، غير أن الحفاظ على هذه الشراكة يقتضي عدم التعامل مع القضايا الخلافية بمنطق أن الواقع القائم نهائي وغير قابل للنقاش.
فالمغرب، الذي يربط علاقاته الخارجية بمصالحه الاستراتيجية وثوابته الوطنية، ليس مطالباً بالتخلي عن موقفه بشأن سبتة ومليلية مقابل استمرار التعاون مع إسبانيا. وفي المقابل، فإن بناء علاقة مستقرة بين البلدين يستدعي الاعتراف بوجود خلاف تاريخي وسياسي حقيقي، بدلاً من محاولة تجاوزه بتصريحات تؤكد وجهة نظر طرف واحد وكأنها حقيقة متفق عليها.
كما أن تحويل ملف المدينتين إلى مادة للاستهلاك السياسي الداخلي الإسباني لا يساعد على بناء الثقة، خصوصاً عندما تصدر الرسائل من مسؤولين حكوميين في سياق يتسم بحساسية إقليمية واضحة.
المطلوب خطاب مسؤول وحوار واضح
إن الرد على تصريحات روبليس لا يكون بالمزايدة أو الانفعال، بل بتوضيح الموقف المغربي عبر القنوات الدبلوماسية، وتكثيف النقاش التاريخي والسياسي، والدفاع عن الثوابت الوطنية بلغة مسؤولة وحجج واضحة. كما أن استمرار الحوار بين الرباط ومدريد يظل ضرورياً لتدبير الخلافات، شريطة ألا يتحول التعاون الثنائي إلى وسيلة لتجميد القضايا التي يعتبرها المغرب جزءاً من حقوقه ومصالحه الوطنية.
وفي المحصلة، قد تمنح الشعارات السياسية مدريد زخماً داخلياً مؤقتاً، وقد تعزز الزيارات الرسمية صورة الحضور الإسباني في سبتة ومليلية، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء الخلاف بشأن المدينتين. فالقضايا التاريخية لا تُطوى بالمراسم، والسيادة لا تصبح موضوعاً خارج النقاش لمجرد أن مسؤولاً أعلن موقفه بصوت مرتفع.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى مدريد واضحة: الشراكة المغربية الإسبانية تحتاج إلى الاحترام المتبادل، وإلى الشجاعة السياسية في معالجة الملفات العالقة، لا إلى الاكتفاء بترديد أن المدينتين «إسبانيتان جداً» وكأن تكرار العبارة قادر على إغلاق صفحة تاريخية لا تزال مفتوحة.

