الملك محمد السادس يوجه رسالة حازمة إلى إسبانيا: لا شراكة بمنطق الإملاءات ولا تعاون تحت الضغط
عز الدين السريفي
لم تكن إشارة الملك محمد السادس إلى التعاون المغربي الإسباني في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، خلال خطابه بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية، مجرد تذكير بملف مشترك يفرضه الجوار الجغرافي وتشابك المصالح بين البلدين، بل حملت رسالة سياسية واضحة مفادها أن الشراكة بين الرباط ومدريد لا يمكن أن تتحول إلى علاقة غير متكافئة، يُطلب فيها من المغرب تحمل مسؤولياته كاملة، بينما تظل بعض الالتزامات المقابلة موضع خلاف أو تأجيل.
فالرسالة الملكية تضع ملف الهجرة أمام حقيقة أساسية: التعاون الأمني لا ينفصل عن المسؤولية المشتركة، ولا يمكن أن يستمر بمنطق المطالب الأحادية، أو أن يصبح موضوعاً للمزايدات السياسية كلما اشتدت المنافسة الحزبية في إسبانيا. والمغرب، الذي راكم تجربة مهمة في تدبير ملف الهجرة ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر، لا يتعامل مع هذا الملف باعتباره خدمة يقدمها لطرف آخر، وإنما باعتباره مسؤولية مشتركة تستوجب التنسيق والالتزام والاحترام المتبادل.
المغرب يرفض منطق الشراكة باتجاه واحد
إن مكافحة الهجرة غير النظامية ليست قضية أمنية معزولة، ولا يمكن اختزالها في مراقبة الحدود وإحباط محاولات العبور، بل هي منظومة متكاملة تشمل التعاون القضائي والإداري، وتبادل المعلومات، ومحاربة شبكات التهريب، والتعامل مع أوضاع المهاجرين، واحترام الحقوق والضمانات القانونية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب مسألة إعادة القاصرين المغاربة أهمية خاصة في النقاش المغربي الإسباني. فالمطلوب ليس تجاوز القانون أو التضحية بحقوق الأطفال، وإنما إيجاد إطار قانوني وإداري واضح يسمح بمعالجة الملفات وفق ضمانات تحمي مصلحة القاصر وحقوقه، وتحدد مسؤوليات المؤسسات المعنية في البلدين.
وعليه، فإن أي مطالبة بتعاون مغربي أكثر فعالية ينبغي أن تقابلها إرادة سياسية مماثلة لمعالجة الملفات العالقة، بما فيها الإشكالات المرتبطة بالتشريعات والإجراءات الإسبانية. فلا يستقيم أن يُختزل نجاح التعاون في ما ينتظر من المغرب تنفيذه، بينما تُهمَّش الصعوبات القانونية والسياسية التي تستدعي معالجة مشتركة.
فالاحترام المتبادل ليس عبارة دبلوماسية للاستهلاك، بل قاعدة عملية تقتضي التزامات متبادلة، وتحمّل كل طرف مسؤوليته كاملة.
سبتة تكشف حدود الخطاب السياسي الإسباني
تزداد دلالات الرسالة وضوحاً عند وضعها في سياق أزمة الهجرة بمدينة سبتة، التي تحولت إلى محور مواجهة سياسية بين الحكومة الإسبانية والمعارضة. فقد طالب ألبرتو نونييث فيخو، رئيس الحزب الشعبي، بمواقف متشددة بشأن إعادة المهاجرين الذين دخلوا المدينة بصورة غير نظامية، بمن فيهم القاصرون، في وقت يثير فيه تدبير هذه الملفات نقاشاً قانونياً وسياسياً داخل إسبانيا.
وفي هذا السياق، برزت اتهامات سياسية موجهة إلى المغرب بشأن دوره في أزمات الهجرة، وهو ما يثير إشكالية تحميل دولة شريكة مسؤولية ملف تتداخل فيه عوامل جغرافية وأمنية واجتماعية وتشريعية.
هنا تتضح إحدى أهم الإشكاليات التي يطرحها الملف: حين تتحول الهجرة من قضية تتطلب حلولاً عملية وتنسيقاً مؤسساتياً إلى موضوع للتنافس الحزبي، يصبح المغرب عرضة لخطاب متناقض؛ إذ يُنظر إليه باعتباره شريكاً أساسياً عندما يتعلق الأمر بضبط الحدود والتعاون الأمني، ثم يُقدَّم في بعض الخطابات السياسية باعتباره مصدر المشكلة عندما تشتد الضغوط الداخلية.
ولا يعني ذلك أن من حق المغرب إعفاء نفسه من أي مسؤولية في إطار التعاون الثنائي، بل إن المطلوب هو التمييز بين المسؤوليات الفعلية التي يمكن التحقق منها، والاتهامات السياسية التي تحتاج إلى أدلة، وبين النقاش المشروع حول سياسة الهجرة واستخدام هذا النقاش في توجيه اللوم إلى دولة شريكة.
فلا يمكن بناء شراكة استراتيجية مستقرة على أساس تحميل طرف واحد مسؤولية أزمة متعددة الأبعاد، ولا يمكن مطالبة المغرب بالتعاون الكامل مع تجاهل تعقيدات القانون الإسباني نفسه.
فيخو وورقة الهجرة.. حين تتداخل الحسابات الحزبية مع العلاقات الثنائية
لا يمكن فصل مواقف ألبرتو نونييث فيخو بشأن الهجرة عن سياق التنافس بين الحزب الشعبي والحكومة الإسبانية. فقد جعلت المعارضة من تدبير الحدود وإعادة المهاجرين محوراً بارزاً في انتقاداتها للسياسة الحكومية، وهو نقاش مشروع في إطار التعددية السياسية، لكنه يطرح تساؤلات حين يمتد إلى العلاقات مع المغرب ويصبح مدخلاً لتوجيه الاتهامات إليه.
ومن زاوية تحليلية، فإن خطورة هذا المسار لا تكمن في مجرد اختلاف الأحزاب الإسبانية حول السياسة المناسبة للهجرة، فذلك جزء طبيعي من التنافس الديمقراطي، وإنما في احتمال انتقال الخلاف من مستوى تدبير السياسات العمومية إلى مستوى الإضرار بالثقة بين دولتين تجمعهما مصالح استراتيجية واسعة.
فالمغرب ليس تفصيلاً في المعادلة الإسبانية، ولا يجوز اختزال العلاقات معه في ملف الهجرة وحده. هناك مصالح اقتصادية وتجارية وأمنية، وتعاون في مكافحة الجريمة المنظمة وشبكات الاتجار بالبشر، فضلاً عن ملفات إقليمية ودولية تتطلب استمرار التواصل السياسي والتنسيق المؤسسي.
ومن ثم، فإن تحويل المغرب إلى موضوع دائم للمزايدات الانتخابية قد يمنح بعض الخطابات السياسية مادة للتعبئة الداخلية، لكنه يطرح في المقابل أسئلة جدية بشأن كلفة هذا الخطاب على استقرار العلاقات الثنائية، وعلى قدرة البلدين على معالجة الأزمات بعيداً عن الضغوط الإعلامية والحزبية.
ولا ينبغي اختزال مواقف الحزب الشعبي أو غيره في دافع انتخابي واحد، لكن من المشروع التساؤل عن حدود الخطاب السياسي حين تصبح الاتهامات الموجهة إلى شريك استراتيجي بديلاً عن النقاش الهادئ بشأن أوجه القصور في السياسات الداخلية.
الشراكة مع المغرب ليست امتيازاً مجانياً ولا مجالاً للإملاءات
إن الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من هذا النقاش هي أن العلاقات المغربية الإسبانية لا ينبغي أن تُدار بمنطق الحاجة الظرفية. فالمغرب ليس مجرد حارس لحدود إسبانيا الجنوبية، كما أن إسبانيا ليست مجرد وجهة للهجرة؛ بل إن البلدين يرتبطان بشراكة تتجاوز هذا الملف، وتستند إلى المصالح المتبادلة والتنسيق المستمر.
وإذا كانت مدريد تنتظر من الرباط مواصلة التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية، فإن استدامة هذا التعاون تقتضي معالجة الخلافات بروح المسؤولية، واحترام الأدوار القانونية لكل طرف، والامتناع عن توظيف الملفات الحساسة في تصعيد سياسي قد ينعكس سلباً على الثقة المتبادلة.
كما أن معالجة ملف القاصرين لا يمكن أن تقوم على شعارات الإعادة الفورية وحدها، لأن القانون الإسباني والالتزامات الدولية يفرضان إجراءات وضمانات خاصة. وهذا ما يجعل الحل مرتبطاً بإجراءات قانونية ومؤسساتية واضحة، لا بمجرد التصريحات السياسية.
وهذا لا يلغي ضرورة البحث عن حلول فعالة، بل يؤكد أن الحلول المستدامة لا تُصنع بالشعارات المتشددة ولا بإلقاء المسؤولية على الطرف الآخر، وإنما بالتفاوض والتنسيق والالتزام بالقانون.
المغرب يحدد قواعد التعامل.. والسيادة خط أحمر
في المحصلة، لا ينبغي قراءة الموقف المغربي من زاوية رد الفعل على تصريح سياسي هنا أو أزمة حدودية هناك، بل ضمن تصور أوسع للعلاقات الخارجية يقوم على استقلالية القرار الوطني وتوازن المصالح.
فالمغرب الذي اختار تطوير علاقاته مع إسبانيا وتعزيز التعاون معها، لا يفعل ذلك تحت الإكراه، وإنما انطلاقاً من تقدير استراتيجي لمصالحه الوطنية ومصالح المنطقة. وهذا يعني أن الشراكة، مهما بلغت أهميتها، لا تلغي حق كل دولة في تحديد أولوياتها، ولا تمنح أي طرف حق فرض تصوراته على الطرف الآخر.
ومن هنا، فإن الرسالة الموجهة إلى الأوساط السياسية الإسبانية واضحة في جوهرها: التعاون مع المغرب خيار استراتيجي متبادل، وليس التزاماً أحادي الجانب؛ والاحترام المتبادل شرط لاستمراره، وليس تفصيلاً يمكن تجاوزه عند أول أزمة.
إن قوة العلاقات المغربية الإسبانية لا تُقاس بقدرة أحد الطرفين على الضغط على الآخر، ولا بعدد الاتهامات المتبادلة، بل بمدى القدرة على إدارة الخلافات بعقلانية، وصون المصالح المشتركة، والتمييز بين التنافس الحزبي داخل إسبانيا ومتطلبات العلاقات بين دولتين جارتين.
وإذا كان ملف الهجرة قد أصبح اختباراً سياسياً جديداً لهذه العلاقة، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة مدريد والرباط على منع الخلافات الظرفية من التحول إلى أزمة ثقة دائمة.
فالرسالة الأهم ليست أن المغرب يرفض التعاون، بل أنه يرفض اختزال التعاون في تنفيذ المطالب، ويرفض أن تتحول الشراكة إلى ضغط، أو أن يصبح احترام السيادة المغربية رهيناً بالحسابات الانتخابية لأي حزب إسباني.


