الصحراء المغربية

تحليل | تقرير غوتيريش المسرب.. هل تنتقل قضية الصحراء من إدارة النزاع إلى هندسة الحل ؟

جسر بريس 4 دقائق للقراءة

تكمن أهمية المعطيات الواردة في النسخة الأولية المسربة من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ليس فقط في كشفها تفاصيل جولات المباحثات التي جرت خلال سنة 2026، وإنما في طبيعة المواضيع التي انتقلت إليها المفاوضات.

فإذا تأكدت هذه المعطيات في النسخة النهائية، فإن التطور الأبرز يتمثل في أن النقاش لم يعد محصوراً في إعادة عرض مواقف الأطراف، وإنما بدأ يتجه نحو بحث ترتيبات عملية ومؤسساتية لمرحلة انتقالية، وهو تحول نوعي في مسار ظل لسنوات طويلة يدور في حلقة مفرغة من المواقف المتعارضة.

الحكم الذاتي.. من مبادرة إلى أرضية تفاوضية

أبرز ما يستوقف في التقرير هو الإشارة إلى تقديم المغرب نسخة موسعة ومطورة من مبادرة الحكم الذاتي.

وهنا تكمن دلالة سياسية كبيرة؛ فالمغرب لا يبدو، وفق هذه المعطيات، وكأنه يكتفي بالدفاع عن مبادرة 2007 بصيغتها الأصلية، بل يسعى إلى تطوير عرض سياسي أكثر تفصيلاً، بما يسمح بتحويل المبادرة من إعلان للمبدأ إلى تصور أكثر وضوحاً بشأن المؤسسات والاختصاصات وآليات التنفيذ.

وهذا يخدم الاستراتيجية المغربية القائمة على تقديم الحكم الذاتي باعتباره حلاً سياسياً قابلاً للتطبيق، وليس مجرد موقف تفاوضي.

الانتقالية.. النقطة الأكثر حساسية

الحديث عن إنشاء «مجلس انتقالي» وإعداد «اتفاق-إطار» يمثل، في المقابل، أكثر عناصر التقرير حساسية.

فمجرد انتقال النقاش إلى المرحلة الانتقالية يعني أن الأطراف، أو على الأقل المشاركين في المسار، بدأوا يناقشون السؤال الأصعب: كيف يمكن الانتقال من الوضع القائم إلى صيغة تسوية سياسية؟

وهنا ستظهر خلال المرحلة المقبلة معركة التأويل السياسي.

فالمغرب سيحاول، منطقياً، ربط أي ترتيبات انتقالية بالحل النهائي القائم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما قد تسعى الأطراف الأخرى إلى توظيف مفهوم «المرحلة الانتقالية» لفتح نقاش أوسع حول شكل التسوية ومآلاتها.

لذلك، فإن أهمية هذه النقطة لا تكمن في المصطلح نفسه، وإنما في ما سيأتي بعده: من يحدد طبيعة المرحلة الانتقالية؟ وما أهدافها؟ وما المرجعية السياسية والقانونية التي تحكم نهايتها؟

الجزائر أمام اختبار جديد

المعطيات المسربة تضع الجزائر أيضاً أمام اختبار سياسي جديد.

فإذا كان المسار الأممي الجديد يتجه نحو نقاش عملي حول صيغة للحل، فإن استمرار الجزائر في الاكتفاء بمواقف تقليدية قد يصبح أقل قدرة على التأثير في مسار تفاوضي يبحث عن ترتيبات ملموسة.

وفي المقابل، فإن أي انخراط جزائري فعلي في مناقشة صيغة الحل سيعني عملياً استمرار حضورها المباشر في المعادلة السياسية، وهو ما ينسجم مع المقاربة المغربية التي تؤكد أن الجزائر طرف أساسي في النزاع وليست مجرد دولة مراقبة.

لماذا واشنطن مهمة؟

اختيار واشنطن لاحتضان الجولة الأولى ليس تفصيلاً بروتوكولياً.

فالولايات المتحدة تمتلك وزناً سياسياً كبيراً داخل مجلس الأمن، كما أن انخراطها المباشر في المسار التفاوضي يمنح العملية السياسية بعداً إضافياً يتجاوز الإطار الأممي التقليدي.

والأهم أن الرعاية الأمريكية، إلى جانب الرعاية الأممية، قد تعكس محاولة لبناء مسار تفاوضي أكثر فعالية، خصوصاً بعدما فشلت جولات سابقة في تحقيق اختراق حقيقي.

هل نحن أمام نهاية مرحلة؟

المؤشرات الواردة في التقرير توحي بأن قضية الصحراء قد تكون بصدد الانتقال من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة محاولة هندسة التسوية.

وهذا فرق جوهري.

فإدارة النزاع تعني الحفاظ على الوضع القائم ومنع التصعيد، بينما هندسة التسوية تعني البحث عن ترتيبات سياسية ومؤسساتية يمكن أن تقود إلى حل نهائي.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة لا يعني أن الحل أصبح قريباً أو أن الخلافات اختفت. بالعكس، فإن التفاصيل التي ستظهر في أي «اتفاق-إطار» محتمل ستكون أكثر تعقيداً من مجرد الاتفاق على عقد جولات تفاوضية.

مجلس الأمن أمام لحظة اختبار

جلسة مجلس الأمن في 8 أكتوبر تأتي بالتالي في توقيت بالغ الحساسية.

فالاختبار الحقيقي لن يكون فقط في مضمون التقرير، وإنما في كيفية ترجمة التطورات السياسية الجديدة إلى مسار أممي واضح.

هل سيكتفي مجلس الأمن بتجديد الدعوة إلى استئناف المفاوضات؟ أم سيدفع نحو إطار تفاوضي أكثر تحديداً؟ وهل سيعطي زخماً أكبر للمبادرات التي يعتبرها قابلة للتطبيق؟ وما مصير «مينورسو» في ظل تغير طبيعة المسار السياسي؟

هذه الأسئلة ستكون أكثر أهمية من أي صياغة دبلوماسية عامة.

إذا حافظت النسخة النهائية لتقرير غوتيريش على جوهر هذه المعطيات، فإن التطور الأبرز في قضية الصحراء سيكون أن الحكم الذاتي المغربي بات يناقش داخل مسار تفاوضي يتجه تدريجياً نحو التفاصيل العملية للحل.

وفي هذه الحالة، فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول قبول أو رفض مبدأ الحكم الذاتي، وإنما حول شكل الحل، وضماناته، وترتيباته الانتقالية، ومؤسساته، وآليات تنفيذه.

وهنا تحديداً تكمن المرحلة الجديدة: الانتقال من سؤال «ما هو الحل؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف سيتم تنفيذ الحل؟ ومن سيحدد قواعد المرحلة التي تقود إليه؟

ومن هذه الزاوية، قد يكون تقرير أكتوبر 2026 محطة مفصلية في مسار قضية الصحراء، ليس لأنه أنهى النزاع، وإنما لأنه يكشف عن بداية انتقال النقاش من مواقف سياسية متباعدة إلى البحث في هندسة تسوية سياسية محتملة

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *