من الشورى إلى “شد تيقارك”.. بنكيران يهاجم العثماني ويفتح نقاشا حول مسؤولية التطبيع
عاد الخلاف داخل حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة، بعد التصريحات الأخيرة لعبد الإله بنكيران، الأمين العام للحزب، تجاه سعد الدين العثماني، الأمين العام السابق ورئيس الحكومة الأسبق، في سياق سياسي جديد أعاد معه ملف توقيع الاتفاق الثلاثي المعلن في دجنبر 2020 إلى واجهة النقاش.
بنكيران خاطب العثماني بلهجة حادة قائلاً: «الزم بيتك.. وشد تيقارك»، كما اعتبر أن تحركاته وتصريحاته من شأنها أن «تشوش على الإخوان»، ودعاه إلى العودة إلى المجال الذي كان يشتغل فيه سابقاً، أي الشؤون العلمية. كما أعاد فتح ملف توقيع العثماني على الاتفاق المرتبط باستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، قائلاً إن الحزب يتعرض للانتقاد بسبب ذلك التوقيع، مضيفاً: «لا علم لنا به».
وتكتسي هذه التصريحات دلالة خاصة، بالنظر إلى أن الأمر يتعلق بشخصية كانت في قلب القيادة السياسية والتنظيمية للحزب لسنوات. فالعدالة والتنمية عرف انتقالاً للقيادة من بنكيران إلى العثماني سنة 2017، قبل أن يعود بنكيران إلى الأمانة العامة في أكتوبر 2021، ثم أعيد انتخابه لولاية ثانية سنة 2025.
من منطق المؤسسات إلى الخلاف العلني
المسألة التي يطرحها هذا السجال لا تتوقف عند العبارات التي استعملها بنكيران ضد العثماني، بل تمتد إلى طبيعة إدارة الخلاف داخل حزب سبق أن قدم نفسه باعتباره حزباً يقوم على المؤسسات والهيئات التنظيمية.
وهنا تبرز مفارقة سياسية تستحق النقاش: عندما يتعلق الأمر بخلاف مع أمين عام سابق ورئيس حكومة سابق، هل يكفي الحسم عبر التصريحات العلنية، أم أن مثل هذه القضايا يفترض أن تمر أيضاً عبر المؤسسات الحزبية وآلياتها التنظيمية؟
هذا السؤال يصبح أكثر حضوراً إذا استُحضرت مواقف بنكيران نفسه في دجنبر 2020، حين رفض مطالب إقالة العثماني عقب توقيعه الإعلان المشترك مع إسرائيل والولايات المتحدة، ودافع آنذاك عن احترام مؤسسات الحزب، داعياً إلى إمكانية مناقشة الموضوع داخل المجلس الوطني أو مؤتمر استثنائي والاستماع إلى العثماني قبل اتخاذ أي قرار.
وبذلك، فإن المقارنة بين خطاب 2020 وخطاب أكتوبر 2026 تفتح نقاشاً حول تطور موقف بنكيران من العثماني ومن طريقة تدبير الخلافات داخل الحزب.
التطبيع.. من مسؤولية الدولة إلى مسؤولية الحزب؟
الشق الأكثر حساسية في التصريحات الأخيرة يرتبط بملف التطبيع.
ففي 2020، وبعد توقيع العثماني على الإعلان المشترك، خرج بنكيران للدفاع عنه، مؤكداً أن العدالة والتنمية كان جزءاً من بنية الحكم وأن القرارات المصيرية للدولة لا يمكن اختزالها ببساطة في شخص رئيس الحكومة. كما رفض في ذلك الوقت الدعوات إلى إقالة العثماني، مشدداً على ضرورة احترام المؤسسات الحزبية.
لكن بعد نحو ست سنوات، عاد بنكيران إلى الملف من زاوية مختلفة، قائلاً إن توقيع العثماني أصبح يُستعمل لمعايرة الحزب، مضيفاً أن الحزب «لا علم له به».
وهنا يظهر السؤال السياسي الذي يفرض نفسه: إذا كان توقيع 2020 مرتبطاً، وفق الخطاب الذي قدمه بنكيران آنذاك، بمسؤوليات الدولة ومؤسساتها، فكيف أصبح التوقيع في 2026 جزءاً من السجال الداخلي ضد العثماني؟
لا يعني ذلك بالضرورة أن الموقفين متطابقان في كل تفاصيلهما، لكن المقارنة بين التصريحين تضع أمام الرأي العام سؤالاً حول حدود المسؤولية الحزبية والسياسية عن القرارات التي اتخذها الحزب عندما كان يقود الحكومة.
«لا علم لنا به».. سؤال في ذاكرة الحزب
عبارة «لا علم لنا به» لا تنهي النقاش، بل تفتح أسئلة إضافية.
فالقرار أعلن رسمياً في دجنبر 2020، وكان العثماني حينها رئيساً للحكومة وأميناً عاماً لحزب العدالة والتنمية. وفي المقابل، كان بنكيران، باعتباره أميناً عاماً سابقاً ورئيساً للحكومة سابقاً، من أبرز الشخصيات التي علقت علناً على القرار في ذلك الوقت. وقد نقلت وسائل إعلام مواقفه الرافضة لفكرة إقالة العثماني والداعية إلى احترام المؤسسات الحزبية.
وعليه، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن وقع، وإنما أيضاً بكيفية توزيع المسؤولية السياسية عن مرحلة كاملة كان فيها العدالة والتنمية يقود الحكومة.
فإذا كان القرار شأناً مؤسساتياً للدولة، فإن تحميل العثماني وحده تبعاته يحتاج إلى تفسير سياسي. وإذا كان للحزب موقف أو اطلاع أو نقاش داخلي بشأنه، فإن عبارة «لا علم لنا به» تحتاج بدورها إلى توضيح المقصود منها: هل المقصود عدم علم المؤسسات الحزبية بتفاصيل التوقيع؟ أم التنصل من المسؤولية السياسية عن القرار؟ أم أن الأمر يتعلق حصراً بالرد على الانتقادات التي توجه إلى الحزب اليوم؟
العثماني في مرمى السجال الداخلي
لا يمكن فصل هذا الخلاف عن التحولات التي عرفها العدالة والتنمية خلال السنوات الأخيرة.
فالحزب انتقل من 125 مقعداً في انتخابات 2016 إلى 13 مقعداً فقط في انتخابات 2021، قبل أن يستعيد جزءاً من حضوره في انتخابات شتنبر 2026 بحصوله على 54 مقعداً، محتلاً المرتبة الرابعة.
وبين هذه المحطات، انتقل الحزب من قيادة الحكومة إلى المعارضة، ثم عاد إلى البرلمان بحضور أقوى، بينما ظل الصراع حول تقييم مرحلة العثماني حاضراً في النقاش الداخلي.
ومن هذه الزاوية، فإن إعادة استحضار ملف 2020 في هذه المرحلة لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها نقاشاً حول الماضي، بل أيضاً باعتبارها جزءاً من النقاش حول هوية الحزب وموقعه السياسي وطريقة قراءته لمرحلة مشاركته في الحكومة.
هل يعاد توزيع المسؤوليات بعد تغير المواقع؟
السؤال الأهم ليس ما إذا كان من حق الحزب إعادة تقييم قرارات مرحلة 2020؛ فهذا حق سياسي وتنظيمي طبيعي. وإنما يتعلق الأمر بمعيار الاتساق في التعامل مع تلك القرارات.
فالقرار الذي كان موضوعاً لنقاش مؤسساتي وسياسي واسع سنة 2020، لا يمكن فصله اليوم عن السياق الذي اتخذ فيه، ولا عن مواقف الشخصيات التي كانت في القيادة آنذاك.
ومن هنا يصبح الخلاف بين بنكيران والعثماني أكبر من مجرد خلاف شخصي؛ فهو يعيد فتح ملف مرحلة كاملة من تاريخ الحزب، ويطرح سؤالاً حول العلاقة بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية داخل الأحزاب التي تصل إلى السلطة.
فإذا كانت المسؤولية عن قرار 2020 فردية، فمن يحدد ذلك؟ وإذا كانت مؤسساتية، فما هي حدود مسؤولية الحزب؟ وإذا كان القرار مرتبطاً بمؤسسات الدولة، فما موقع المسؤولية السياسية للحزب الذي كان يقود الحكومة؟
من «الحزب المؤسسات» إلى «شد تيقارك»؟
في دجنبر 2020، كان بنكيران يقول إن العدالة والتنمية «حزب مؤسسات»، ويرفض القفز إلى إقالة العثماني دون المرور عبر الهياكل التنظيمية والاستماع إليه.
وفي أكتوبر 2026، اختار بنكيران مخاطبة العثماني بعبارة «الزم بيتك.. وشد تيقارك»، معتبراً أن تحركاته تشوش على الحزب.
وبين العبارتين تمتد ست سنوات من التحولات السياسية والتنظيمية.
لذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بسعد الدين العثماني أو عبد الإله بنكيران، بل بصورة الحزب عن نفسه: هل يظل الخلاف الداخلي محكوماً بمنطق المؤسسات، أم أن التحولات السياسية تجعل الخطاب الشخصي المباشر أكثر حضوراً؟
أما ملف التطبيع، فقد أصبح بدوره اختباراً لذاكرة الحزب السياسية: هل سيقدم العدالة والتنمية رواية متكاملة عن مسؤوليته ومواقفه خلال مرحلة 2020، أم سيظل النقاش محصوراً في مسؤولية الشخص الذي وقع الاتفاق؟
في نهاية المطاف، التوقيع حدث موثق، ومواقف بنكيران في 2020 موثقة أيضاً، كما أن تصريحاته الجديدة موثقة. وبين هذه الوقائع يبقى السؤال مفتوحاً أمام الحزب وقيادته: كيف يمكن الجمع بين خطاب «المؤسسات» في الأمس، والخلاف الشخصي الحاد في اليوم، دون أن تتحول الذاكرة السياسية إلى روايات متغيرة بحسب موقع كل طرف داخل الحزب؟
فالخلاف حول العثماني قد يكون خلافاً سياسياً عابراً، لكن النقاش حول المسؤولية عن مرحلة 2020 أعمق من ذلك؛ لأنه يتعلق بكيفية كتابة الحزب لذاكرته، وبالحدود الفاصلة بين المسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسساتية، وبين النقد السياسي وإعادة توزيع المسؤوليات بعد تغير المواقع.


