سياسة

ما محل الإعراب للأحزاب التي خرجت من انتخابات 2026 بصفر مقعد

جسر بريس 3 دقائق للقراءة

أسدل الستار على الانتخابات التشريعية لسنة 2026، وأسفرت نتائج صناديق الاقتراع عن رسم خريطة سياسية جديدة داخل مجلس النواب، لكنها في المقابل كشفت أيضاً عن وجه آخر للعملية الانتخابية، يتعلق بأحزاب دخلت السباق الانتخابي بكل ما تحمله من شعارات وبرامج وطموحات، ثم خرجت منه دون أن تتمكن من حجز مقعد واحد تحت قبة البرلمان.

وهنا يفرض سؤال نفسه، وبصراحة سياسية لا تحتاج إلى كثير من المجاملات: ما محل الإعراب السياسي للأحزاب التي حصلت على صفر مقعد؟

السؤال لا يستهدف حق هذه الأحزاب في الوجود أو المشاركة، فالتعددية السياسية حق مكفول، ولا يمكن اختزال الحياة الحزبية في عدد المقاعد المحصل عليها. لكن الانتخابات تظل في نهاية المطاف امتحاناً حقيقياً للقوة التنظيمية والقدرة على الإقناع وحجم الحضور داخل المجتمع. وحين يعجز حزب، بعد خوضه استحقاقاً انتخابياً كاملاً، عن الوصول إلى البرلمان، فإن النتيجة تفرض عليه أكثر من مجرد إصدار بلاغ لتفسير الهزيمة أو البحث عن مبررات خارجية.

فالناخب لا يصوت للشعارات، ولا للمقرات الحزبية، ولا للأسماء التاريخية، وإنما يصوت لمن يقتنع بأنه قادر على تمثيله والدفاع عن مصالحه والتعبير عن انتظاراته. ولذلك فإن الحصول على صفر مقعد ينبغي أن يكون قبل كل شيء لحظة تأمل ومراجعة داخلية: أين أخطأ الحزب؟ هل فقد صلته بالشارع؟ هل أصبح خطابه بعيداً عن اهتمامات المواطنين؟ هل أخفق في اختيار مرشحيه؟ وهل ما زال يمتلك حضوراً تنظيمياً حقيقياً، أم أن وجوده أصبح موسمياً مرتبطاً فقط بمواعيد الانتخابات؟

المشكلة ليست في أن يخسر حزب انتخابات، فالخسارة جزء من اللعبة الديمقراطية، وقد تخسر أحزاب اليوم وتعود غداً. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما ترفض القيادة قراءة الرسالة التي حملها صندوق الاقتراع، وتتعامل مع النتيجة وكأنها مجرد سوء حظ أو مؤامرة انتخابية أو نتيجة لظروف خارجية.

السياسة مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً، والانتخابات محاسبة قبل أن تكون احتفالاً.

ومن هذا المنطلق، فإن الأحزاب التي خرجت من انتخابات 2026 دون أي تمثيلية برلمانية مطالبة اليوم بأن تكون أكثر جرأة مع نفسها، وأن تطرح الأسئلة التي قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية. فهل ما زال المواطن يرى فيها قوة سياسية قادرة على تقديم البديل؟ وهل تمتلك مشاريع حقيقية تتجاوز الخطابات الانتخابية؟ وهل استطاعت خلال السنوات الماضية أن تبني ثقة حقيقية مع المواطنين، أم أنها اكتفت بحضور تنظيمي محدود لا ينعكس في صناديق الاقتراع؟

إن البرلمان ليس مجرد مقاعد، وإنما هو تعبير عن ثقة الناخبين. ومن لا يحصل على أي مقعد لا يفقد حقه في ممارسة السياسة، لكنه يواجه واقعاً سياسياً لا يمكن تجاهله: لم يستطع إقناع الناخبين بمنحه تمثيلية داخل المؤسسة التشريعية.

وهنا تحديداً ينبغي أن تتوقف القيادات الحزبية طويلاً، لا للبحث عن شماعة تعلق عليها النتيجة، وإنما للبحث عن مكمن الخلل. فأسهل شيء هو اتهام الظروف والمنافسين، أما أصعب شيء فهو الاعتراف بأن الحزب ربما ابتعد عن المواطن، وأن خطابه لم يعد مقنعاً، وأن أسلوب اشتغاله يحتاج إلى مراجعة عميقة.

انتخابات 2026 لم تمنح الجميع مقاعد، لكنها منحت الجميع درساً سياسياً واضحاً: الوجود القانوني للحزب شيء، والوجود الحقيقي في وجدان الناخب شيء آخر.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ليس فقط: من ربح ومن خسر؟ وإنما: من فهم رسالة الناخب؟

فالأحزاب التي حصلت على مقاعد ستتحمل مسؤولية تمثيل المواطنين داخل البرلمان، أما الأحزاب التي خرجت بصفر مقعد، فمسؤوليتها الأولى اليوم هي أن تفهم لماذا قال لها الناخب، بطريقة ديمقراطية لا تحتاج إلى ترجمان: لسنا مستعدين لمنحكم ثقتنا داخل البرلمان.

والكرة الآن في ملعب هذه الأحزاب. إما أن تتعامل مع الصفر باعتباره نهاية الطريق، أو تحوله إلى بداية لمراجعة حقيقية تعيد بناء علاقتها بالمواطن، وتعيد النظر في خطابها وتنظيمها ووجوهها وأولوياتها.

أما الاستمرار بالطريقة نفسها، ثم انتظار نتائج مختلفة في الانتخابات المقبلة، فليس سياسة، بل مجرد مكابرة على رسالة الصندوق.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً، وربما هو الأكثر إزعاجاً لبعض القيادات الحزبية:

إذا كان الناخب لم يمنح الحزب أي مقعد في البرلمان، فماذا بقي له من حضور سياسي حقيقي خارج البيانات والمقرات والشعارات.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *