سياسة

من الحوثيين إلى البوليساريو.. كيف تحولت الحركات المسلحة إلى أدوات في صراع النفوذ الإقليمي ؟

جسر بريس 7 دقائق للقراءة

عز الدين السريفي

ثمة زاوية جيوسياسية أوسع لفهم ما يجري في المغرب الكبير، تتجاوز القراءة التقليدية لنزاع الصحراء، وتضعه ضمن تحولات أعمق تشهدها البيئة الأمنية الإقليمية والدولية. فالتجربة التي عاشتها السعودية لسنوات على حدودها الجنوبية في مواجهة جماعة الحوثيين، وإن كانت تختلف تاريخياً وسياسياً عن قضية الصحراء المغربية، تقدم نموذجاً يمكن من خلاله فهم كيفية تحول الحركات المسلحة إلى أدوات ضغط في صراعات النفوذ بين الدول.

ولا يعني ذلك أن جبهة البوليساريو هي نسخة مغاربية من الحوثيين، أو أن السياقين متطابقان، وإنما يتعلق الأمر بتشابه في آلية توظيف الفاعلين المسلحين غير الدولتيين ضمن صراع إقليمي أوسع.

في الحالة اليمنية، نشأت جماعة الحوثيين في سياق أزمة داخلية يمنية، غير أن نشاطها تحول مع مرور الوقت إلى جزء من معادلة إقليمية أكثر تعقيداً. وقد وثقت تقارير أممية خلال السنوات الماضية حصول الجماعة على دعم خارجي شمل مجالات عسكرية وتقنية، مع الإشارة إلى صلات بإيران وحلفائها في المنطقة.

ومع انتقال الهجمات الحوثية إلى استهداف الأراضي والمنشآت السعودية، لم يعد الأمر مرتبطاً فقط بالحرب اليمنية الداخلية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالتنافس الإقليمي الأوسع، بما جعل الحدود السعودية الجنوبية جزءاً من معادلة الردع والضغط المتبادل في الشرق الأوسط.

من الحرب المباشرة إلى حروب الوكالة

تكشف هذه التجربة عن أحد أبرز أنماط الصراع في النظام الدولي المعاصر: حروب الوكالة.

فبدلاً من دخول دولتين في مواجهة عسكرية مباشرة، يمكن لإحدى الدول أن تدعم حركة مسلحة أو فاعلاً محلياً يمتلك القدرة على إزعاج الخصم واستنزافه ورفع كلفة سياساته، مع إبقاء المواجهة دون مستوى الحرب المفتوحة.

هذه الاستراتيجية تمنح الدولة الداعمة هامشاً للمناورة، لأنها تسمح لها بالتأثير في بيئة الدولة المنافسة من دون تحمل كامل كلفة التدخل العسكري المباشر.

ومن هذه الزاوية، تبرز قضية الصحراء المغربية باعتبارها جزءاً من تنافس جيوسياسي أوسع في شمال أفريقيا، حيث تحظى جبهة البوليساريو بدعم سياسي وعسكري ولوجستي من الجزائر، وتوجد قيادتها ومخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن استمرار هذا الوضع لا يمثل فقط نزاعاً حول مستقبل الصحراء، وإنما يشكل أيضاً أحد مظاهر التنافس الاستراتيجي المغربي الجزائري، في منطقة تعاني أصلاً من تحديات أمنية متزايدة تمتد من الساحل إلى المتوسط.

الجزائر والمغرب.. صراع نفوذ يتجاوز ملف الصحراء

لا يمكن اختزال العلاقة بين الجزائر وإيران في تطابق أيديولوجي أو سياسي؛ فالنظامان مختلفان في بنيتهما ومرجعياتهما وطبيعة مؤسساتهما.

غير أن المقارنة التي تفرض نفسها تتعلق بمفهوم أوسع هو الأمن الإقليمي والنفوذ خارج الحدود.

فإيران بنت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من العلاقات مع حركات مسلحة في الشرق الأوسط، مستخدمة تلك الشبكات ضمن منظومة نفوذ إقليمي متعددة المستويات.

أما الجزائر، فتنطلق من حسابات مختلفة تماماً، مرتبطة بموقعها الإقليمي وبعلاقتها التاريخية مع قضية الصحراء وبالتنافس مع المغرب على موازين القوى في المغرب الكبير.

وبالتالي، فإن التشابه لا يكمن في طبيعة النظامين، وإنما في فكرة أن الأمن القومي لا يُنظر إليه دائماً باعتباره محصوراً داخل الحدود الوطنية، بل يرتبط أيضاً بشكل البيئة الإقليمية المحيطة وموازين القوى داخلها.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم استمرار الدعم الجزائري للبوليساريو باعتباره أحد عناصر استراتيجية أوسع للحفاظ على توازن إقليمي لا يسمح للمغرب بتحقيق تفوق استراتيجي منفرد في المنطقة.

من النزاع المحلي إلى القضية الجيوسياسية

المشكلة الأساسية في استمرار النزاعات المجمدة هي أنها نادراً ما تبقى محصورة في أسبابها الأصلية.

فكلما طال أمد النزاع، دخلت إليه حسابات جديدة: الأمن، والطاقة، والهجرة، والتحالفات العسكرية، ومكافحة الإرهاب، والتنافس الاقتصادي، والنفوذ الإقليمي.

وهذا ما يجعل قضية الصحراء المغربية اليوم مختلفة عن وضعها قبل عقود.

فالمغرب عزز خلال السنوات الماضية موقعه الدبلوماسي والاقتصادي في أفريقيا، ووسع شراكاته مع دول أوروبية وأفريقية وعربية، بينما أصبحت منطقة الساحل نفسها مسرحاً لتحولات أمنية عميقة، مع تراجع أدوار تقليدية وصعود فاعلين جدد.

وفي هذا السياق، لم يعد استمرار النزاع الصحراوي قضية ثنائية بين المغرب والبوليساريو فقط، بل أصبح مرتبطاً بصورة أوسع بمستقبل الأمن في شمال أفريقيا والساحل.

التحول الدولي.. الحكم الذاتي في قلب المسار السياسي

في المقابل، شهد الملف خلال السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في مواقف عدد من القوى الدولية.

فالولايات المتحدة جددت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساساً للحل السياسي، كما اتخذت فرنسا وبريطانيا مواقف أكثر تقارباً مع المقاربة المغربية، وإن اختلفت الصياغات والسياقات السياسية لكل دولة.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة لأنه يعكس انتقالاً تدريجياً في طريقة التعامل مع النزاع: من التركيز على إدارة الوضع القائم إلى البحث عن تسوية سياسية نهائية وقابلة للاستمرار.

كما شكل قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 محطة مهمة في مسار الملف، بعدما دعا إلى إجراء المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي مقبول من الأطراف.

ولا يعني ذلك أن النزاع انتهى، أو أن جميع الأطراف أصبحت متفقة على الوضع النهائي للصحراء، لكنه يعكس تحولاً في البيئة السياسية التي تجري داخلها المفاوضات.

أوروبا أمام معادلة جديدة

تملك أوروبا مصلحة مباشرة في استقرار المغرب الكبير.

فالموقع الجغرافي للمنطقة يجعل أي توتر كبير فيها قابلاً للانعكاس على ملفات الهجرة والطاقة والأمن ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب والتعاون الاقتصادي.

ولهذا السبب، فإن استمرار النزاع في الصحراء لا يمكن فصله عن المصالح الاستراتيجية الأوروبية، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها منطقة الساحل.

لقد كان بإمكان أوروبا، خلال سنوات طويلة، التعامل مع النزاع ضمن سياسة تقوم على الحفاظ على التوازن بين الرباط والجزائر، لكن استمرار الأزمة وتراكم الملفات الأمنية المحيطة بها يجعلان هذا النهج أكثر صعوبة.

فأي تصعيد غير محسوب قد لا يظل محصوراً بين الأطراف المباشرة، وإنما يمكن أن تكون له انعكاسات على أمن المتوسط والمنطقة المغاربية بأكملها.

هل أصبح إنهاء النزاع مصلحة إقليمية؟

من هذه الزاوية، فإن دعم الحل السياسي لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط باعتباره انتصاراً دبلوماسياً لهذا الطرف أو ذاك، بل باعتباره استجابة لحاجة إقليمية متزايدة إلى الاستقرار.

وبالنسبة إلى المغرب، يمثل مقترح الحكم الذاتي الإطار الذي تطرحه الرباط باعتباره حلاً سياسياً واقعياً يحافظ على سيادة المملكة ويوفر في الوقت نفسه إطاراً لتدبير شؤون الصحراء.

أما استمرار الوضع الحالي، فيعني بقاء واحدة من أقدم بؤر التوتر في أفريقيا مفتوحة أمام مختلف أشكال التنافس الإقليمي.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: النزاع الذي بدأ في سياق إقليمي مختلف أصبح اليوم جزءاً من منظومة أمنية وجيوسياسية أوسع بكثير من أسباب نشأته الأولى.

المغرب أمام فرصة استراتيجية

المتغير الأهم بالنسبة إلى المغرب يتمثل في أن قضية الصحراء لم تعد تتحرك فقط داخل إطار المواجهة التقليدية مع البوليساريو، بل أصبحت جزءاً من نقاش دولي أوسع حول الاستقرار الإقليمي، ومكافحة التهديدات الأمنية، وبناء شراكات طويلة الأمد في أفريقيا.

وهذا يمنح الدبلوماسية المغربية فرصة لتقديم القضية باعتبارها مرتبطة بمستقبل الاستقرار في المنطقة، وليس فقط باعتبارها نزاعاً حدودياً أو ترابياً.

وفي المقابل، فإن استمرار أي نزاع مسلح أو شبه مجمد في بيئة إقليمية مضطربة يحمل مخاطر متزايدة على الجميع.

فالشرق الأوسط يقدم مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها حركة مسلحة مرتبطة بصراع محلي إلى عنصر في صراع إقليمي واسع. ومن هنا، فإن الدرس الأبرز بالنسبة إلى المغرب الكبير هو أن النزاعات المجمدة لا تصبح بالضرورة أقل خطورة مع مرور الزمن؛ بل يمكن أن تصبح أكثر تعقيداً عندما تتداخل معها حسابات القوى الإقليمية والدولية.

الخلاصة

إن المقارنة بين الحوثيين والبوليساريو لا تقوم على القول بوجود تطابق بين الحالتين، وإنما على قراءة منطق الصراع غير المباشر الذي أصبح أحد سمات العلاقات الدولية المعاصرة.

وفي الحالة المغربية، فإن استمرار نزاع الصحراء لعقود جعل منه إحدى أهم أدوات التنافس الجيوسياسي في المغرب الكبير، بينما أدى تغير موازين القوى الدولية والإقليمية إلى إعادة وضع القضية داخل إطار أوسع يتعلق بالأمن والاستقرار والتنمية والتعاون بين ضفتي المتوسط.

ومن منظور المصالح المغربية، فإن ترسيخ المسار السياسي القائم على مبادرة الحكم الذاتي، وتعزيز الشراكات الدولية والأفريقية، والاستمرار في التحرك الدبلوماسي، يظل جزءاً أساسياً من معركة تثبيت موقع المغرب في محيطه الإقليمي.

وفي النهاية، فإن إنهاء النزاع لا يمثل فقط مصلحة للمغرب، بل يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة بناء فضاء مغاربي أكثر استقراراً، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني، وتحويل المنطقة من ساحة للتنافس والصراع إلى فضاء للتكامل والتنمية.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *