بعد تصدر “البام”.. هل يستفيد من درس لقجع قبل أن تتكرر تجربة الأحرار ؟
أفرزت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 خريطة سياسية جديدة، تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً من أصل 395، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حقق حزب العدالة والتنمية عودة لافتة بحصوله على 54 مقعداً.
لكن بعيداً عن لغة الأرقام والاحتفال بالصدارة، يطرح هذا التحول سؤالاً أكبر أمام حزب الأصالة والمعاصرة: كيف يحافظ على هذا الرصيد الانتخابي، وكيف يحول الفوز في محطة انتخابية إلى ثقة سياسية مستدامة؟
فالصدارة، في حد ذاتها، لا تشكل ضمانة للاستمرار، بل ترفع سقف الانتظارات وتضع الحزب في مواجهة مباشرة مع أسئلة التدبير والإنجاز والمساءلة. وتجربة التجمع الوطني للأحرار خلال الولاية السابقة تقدم مثالاً على سرعة تغير الخريطة الانتخابية؛ فقد انتقل من صدارة انتخابات 2021 بـ102 مقعد إلى 66 مقعداً في النتائج الأولية لانتخابات 2026. وفي المقابل، ارتفع رصيد الأصالة والمعاصرة من 87 إلى 97 مقعداً، بينما قفز العدالة والتنمية من 13 إلى 54 مقعداً.
الصدارة ليست تفويضاً مفتوحاً
أول درس أمام “البام” هو ألا يتعامل مع الـ97 مقعداً باعتبارها تفويضاً مفتوحاً، وإنما باعتبارها مسؤولية سياسية أكبر. فالحزب الذي يتصدر الانتخابات يصبح أكثر حضوراً في دائرة المساءلة، وتصبح قراراته ومواقفه ووعوده تحت المجهر منذ اليوم الأول.
كما أن حجم النتائج يرفع سقف التوقعات لدى المواطنين، ويجعل الفارق بين الخطاب والإنجاز أكثر كلفة سياسياً. ولذلك فإن الحفاظ على الرصيد الانتخابي لن يبدأ قبل الانتخابات المقبلة، بل منذ بداية الولاية الجديدة، عبر ما سيتم إنجازه وما سيفشل في تحقيقه.
والأرقام الحالية تحمل في حد ذاتها رسالة سياسية واضحة: لا يوجد رصيد انتخابي محصّن من التغيير. فما حدث للأحرار بين 2021 و2026 يوضح أن ترتيب الأحزاب يمكن أن يتغير بشكل كبير خلال ولاية واحدة، فيما تكشف عودة العدالة والتنمية أن الناخب قادر على إعادة ترتيب خياراته عندما تتغير الظروف السياسية.
أخطاء الخصوم قد تتحول إلى مكاسب للمعارضة
الدرس الثاني يتعلق بالهفوات السياسية والتواصلية. فالخطأ الذي يبدو محدوداً لحظة وقوعه قد يتحول لاحقاً إلى مادة انتخابية إذا تكرر أو لم تتم معالجته بالشكل المناسب.
وتقدم القفزة التي حققها العدالة والتنمية من 13 إلى 54 مقعداً نموذجاً لافتاً على قابلية الخريطة السياسية لإعادة التشكل. فقد جاء الحزب إلى الانتخابات بعد سنوات من التراجع البرلماني، لكنه تمكن من استعادة جزء مهم من حضوره السابق.
وهذا يعني أن المعارضة لا تحتاج بالضرورة إلى صناعة رصيدها من الصفر؛ إذ يمكنها الاستفادة من أخطاء الأغلبية أو تعثراتها أو الفجوة بين الوعود والنتائج. وكلما تراكمت الأخطاء، أصبح من الأسهل تحويلها إلى خطاب سياسي وانتخابي.
لذلك، فإن التحدي أمام “البام” ليس أن تكون المرحلة المقبلة خالية من الأخطاء، فهذا أمر يصعب تحقيقه في العمل الحكومي والسياسي، وإنما أن تكون الأخطاء محدودة، وأن تتم معالجتها بسرعة ووضوح، وألا تتحول إلى تراكم يصعب احتواؤه.
من الوعود إلى الإنجاز
الرهان الثالث سيكون على الانتقال من مرحلة الخطاب الانتخابي إلى مرحلة النتائج الملموسة.
فالمواطن سيعيد طرح الأسئلة نفسها التي طُرحت خلال الحملة: ماذا تحقق في التشغيل؟ ماذا تغير في الصحة والتعليم؟ كيف ستتحسن الخدمات العمومية؟ وما أثر السياسات الحكومية على القدرة الشرائية والدخل وظروف العيش؟
ومن هنا، سيكون تدبير التوقعات عنصراً أساسياً في نجاح المرحلة المقبلة. فالوعود الانتخابية الكبيرة قد تمنح الحزب زخماً خلال الحملة، لكنها تتحول بعد ذلك إلى التزام سياسي قابل للقياس والمساءلة.
وسيكون من المهم أن تقترن الوعود ببرامج واضحة وآجال محددة ومؤشرات يمكن للمواطن أن يقيس من خلالها ما تحقق وما لم يتحقق.
التواصل.. لا تتركوا للخصوم مهمة شرح القرارات
أما الدرس الرابع فيتعلق بالتواصل السياسي. فالحزب الموجود في موقع الصدارة لا يستطيع أن يترك للمعارضة مهمة تفسير قراراته للناخبين.
التواصل المنتظم، تقديم المعطيات والأرقام، شرح القرارات، والاعتراف بالتعثر حين يقع، كلها عناصر يمكن أن تحد من اتساع الفجوة بين الحكومة والمواطن.
وفي المقابل، فإن التعامل مع كل انتقاد باعتباره استهدافاً سياسياً قد يحرم الحزب من فرصة الاستفادة من النقد، كما أن التأخر في توضيح الملفات المثيرة للجدل يترك المجال مفتوحاً أمام روايات الخصوم.
خطر تضخم الحزب بعد الفوز
هناك أيضاً تحدٍّ داخلي لا يقل أهمية، ويتعلق بتدبير مرحلة ما بعد الفوز.
فالصدارة الانتخابية عادة ما تجعل الحزب أكثر جاذبية للمنتخبين والباحثين عن المواقع والنفوذ، وهو ما يفرض على “البام” الحفاظ على الانضباط المؤسساتي، والتدقيق في اختيار الوجوه، وربط المسؤولية بالأداء.
فكلما اتسع الحضور الانتخابي للحزب، أصبح من الضروري أن يتوسع معه التنظيم الداخلي والقدرة على التأطير والمراقبة والمحاسبة. لأن أي تجاوز فردي قد يتحول، في عصر التواصل السريع، إلى مشكلة سياسية تمس صورة الحزب ككل.
الصدارة بداية الاختبار وليست نهايته
في النهاية، فإن نتيجة 23 شتنبر تمنح الأصالة والمعاصرة موقعاً متقدماً في الخريطة البرلمانية، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام اختبار سياسي كبير. فالـ97 مقعداً ليست فقط رقماً انتخابياً، وإنما مسؤولية ترفع سقف الانتظارات وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المحاسبة.
والدرس الذي تقدمه نتائج 2026 واضح من حيث الأرقام: التجمع الوطني للأحرار انتقل من 102 مقعد في 2021 إلى 66 في 2026، بينما ارتفع العدالة والتنمية من 13 إلى 54، وعزز الأصالة والمعاصرة رصيده من 87 إلى 97 مقعداً.
وبذلك، فإن المعركة الحقيقية أمام “البام” لا تتعلق فقط بكيفية تشكيل الأغلبية أو تدبير المرحلة الأولى من الولاية، وإنما بكيفية الحفاظ على الثقة السياسية خلال السنوات المقبلة.
فالانتخابات المقبلة لا تبدأ قبل موعدها بأشهر، وإنما تبدأ عملياً مع إعلان النتائج الحالية: كل تعثر قد يصبح مادة انتخابية للخصوم، وكل إنجاز يمكن أن يتحول إلى رصيد للمستقبل.
ومن هذه الزاوية، فإن التحدي الأكبر أمام الأصالة والمعاصرة هو أن يتعلم من التحولات التي عرفتها الخريطة السياسية المغربية، وألا تتحول صدارته الحالية إلى مجرد محطة انتخابية عابرة، بل إلى بداية لمسار سياسي تقاس قيمته بما سيتحقق على أرض الواقع.


