سياسة

الجزائر وسبتة ومليلية.. أين اختفت شعارات مناهضة الاحتلال ؟

جسر بريس 4 دقائق للقراءة

عز الدين السريفي

في كل مرة يبرز فيها حدث يرتبط بالمغرب، تعود التناقضات الكامنة في الخطاب السياسي والإعلامي الجزائري إلى الواجهة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمبادئ التي تقدمها الجزائر باعتبارها جزءاً من إرثها السياسي، وفي مقدمتها الدفاع عن الحقوق، ومناهضة الاحتلال، والتشديد على أن الحقوق التاريخية لا تسقط بالتقادم.

غير أن هذه الشعارات تبدو، في نظر منتقدي السياسة الجزائرية، عاجزة عن الصمود أمام اختبار الممارسة عندما يتعلق الأمر بالمغرب. فبدل اعتماد معيار ثابت في التعامل مع قضايا السيادة والحقوق التاريخية، تتغير اللغة والمفاهيم بحسب القضية والطرف المعني بها، وهو ما برز بشكل لافت في التعاطي الإعلامي الجزائري مع قضية سبتة ومليلية.

فخلال أحداث الهجرة الأخيرة المرتبطة بمدينة سبتة، اختارت منابر إعلامية جزائرية، رسمية وغير رسمية، التعامل مع المدينة باعتبارها إسبانية، من دون إبراز الخلفية التاريخية والسياسية للنزاع حول وضعها، أو الإشارة إلى أن المغرب لا يزال يعتبر سبتة ومليلية جزءاً من أراضيه الواقعة تحت السيطرة الإسبانية.

وهنا تبرز المفارقة بوضوح: فإذا كانت الجزائر ترفع شعار احترام الحقوق التاريخية ورفض الاحتلال، فمن المنطقي، وفق هذا المنطق، أن تتعامل مع قضية المدينتين بالمعايير نفسها التي تعتمدها في ملفات أخرى، وأن تذكر على الأقل أن المغرب يطالب باسترجاعهما، بدلاً من تبني الرواية الإسبانية وكأن الوضع السياسي والقانوني للمدينتين لا يطرح أي نقاش.

والمسألة لا تتعلق بما إذا كان المغرب ينتظر موقفاً جزائرياً مؤيداً لمطالبه، فالرباط لم تجعل من الجزائر مرجعاً في هذا الملف، ولم تطلب منها الدفاع عن موقفها. لكن القضية تكشف شيئاً آخر أكثر عمقاً: مدى اتساق الشعارات السياسية التي ترفعها الجزائر مع طريقة تعاملها مع القضايا المرتبطة بجارتها الغربية.

وتزداد المفارقة وضوحاً عند استحضار مواقف عربية وإسلامية سابقة تعاملت مع سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين مغربيتين خاضعتين للسيطرة الإسبانية. وبالتالي، فإن الخطاب الإعلامي الجزائري في هذا الملف لا يختلف فقط عن الموقف المغربي، وإنما يبتعد أيضاً عن مواقف عربية سبق أن عبرت عن رؤية مختلفة لوضع المدينتين.

عندما تصبح “الحقوق التاريخية” انتقائية

المشكلة، وفق هذا المنظور، ليست في الاختلاف السياسي بين الرباط والجزائر، فالخلاف بين الدول أمر طبيعي، وإنما في استخدام المبادئ بشكل انتقائي.

فعندما يتعلق الأمر بقضية الصحراء، تضع الجزائر نفسها في موقع المدافع عن مبدأ تقرير المصير، وتقدم النزاع باعتباره قضية تصفية استعمار، بينما تتعامل مع قضايا أخرى ذات أبعاد تاريخية وجغرافية معقدة بمنطق مختلف تماماً.

وفي المقابل، يتمسك المغرب بمغربية الصحراء، ويطرح مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها حلاً سياسياً للنزاع، في وقت تواصل فيه الجزائر دعم جبهة البوليساريو سياسياً ودبلوماسياً.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت قاعدة الحقوق التاريخية وعدم الاعتراف بالاحتلال مبدأً ثابتاً، فلماذا لا تُستحضر القاعدة نفسها عند الحديث عن سبتة ومليلية؟

وليس المقصود بذلك مساواة الملفات من الناحية القانونية أو السياسية، فهي ملفات مختلفة في طبيعتها ومساراتها، وإنما مساءلة الاتساق في الخطاب السياسي والإعلامي. فالمبادئ، إذا كانت مبادئ فعلاً، يفترض أن تكون قابلة للتطبيق خارج الحسابات السياسية الضيقة.

الصحراء وسبتة ومليلية… اختبار واحد للمعيار

في قضية الصحراء، تتبنى الجزائر موقفاً معارضاً للوحدة الترابية للمغرب وتواصل دعم البوليساريو، بينما اختارت دول عربية عديدة مواقف أكثر انسجاماً مع الطرح المغربي، سواء عبر دعم الوحدة الترابية للمملكة أو افتتاح قنصليات عامة في الأقاليم الجنوبية.

وفي المقابل، حين يتعلق الأمر بسبتة ومليلية، لا يظهر في الخطاب الجزائري الحماس نفسه لمفاهيم الاحتلال والحقوق التاريخية، رغم أن المغرب يؤكد باستمرار أن المدينتين جزء من ترابه الوطني.

وهذه المفارقة هي التي تمنح النقاش بعداً يتجاوز الخلاف الثنائي بين المغرب والجزائر. فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا لا تدعم الجزائر المغرب؟ وإنما: لماذا تختلف المفردات السياسية والإعلامية عندما يتغير الطرف المعني بالقضية؟

إن استعمال مفاهيم مثل “الاحتلال” و”الحقوق التاريخية” و”تقرير المصير” لا يمكن أن يكون مرتبطاً بهوية الطرف الذي تستهدفه الرسالة السياسية. وإلا تحولت هذه المفاهيم من مبادئ إلى أدوات في الصراع الدبلوماسي والإعلامي.

السياسة لا تُقاس بالشعارات

لقد كشفت قضية سبتة ومليلية، مرة أخرى، عن الحاجة إلى قراءة الخطاب السياسي الجزائري بعيداً عن الشعارات الكبرى التي ترفق عادة بمفاهيم العدالة والحقوق التاريخية ومناهضة الاحتلال.

فالمبادئ لا تُختبر عندما تكون مريحة سياسياً، وإنما عندما تصبح مكلفة أو محرجة للحسابات السياسية.

وإذا كانت الجزائر ترى أن التاريخ والجغرافيا والحقوق لا تسقط بالتقادم، فإن هذا المبدأ يفترض أن يكون شاملاً وغير انتقائي. وإذا كانت تعتبر الاحتلال مرفوضاً من حيث المبدأ، فمن الطبيعي أن تتعامل مع مختلف قضايا الاحتلال بالمنطق نفسه، بصرف النظر عن هوية الدولة المعنية.

في النهاية، لا ينتظر المغرب من الجزائر أن تمنحه شهادة في وطنيته أو أن تدافع عن مطالبه بشأن سبتة ومليلية. لكن ما تكشفه هذه القضية هو سؤال أكبر من مجرد موقف إعلامي: هل الشعارات التي ترفعها الجزائر حول نصرة المظلوم، والدفاع عن الحقوق، واحترام التاريخ، تمثل مبادئ ثابتة، أم أنها تتحول إلى أدوات سياسية وإعلامية بحسب هوية الطرف الذي تدور حوله القضية؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي للمبادئ: أن تُطبق عندما تخدم الحقيقة، لا عندما تخدم الموقف السياسي.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *