سياسة

سبتة تفضح نفاق مدريد الإعلامي: إسبانيا تطالب بحرية الصحافة في الفنيدق وتصادرها في المدينة المحتلة

جسر بريس 4 دقائق للقراءة

عز الدين السريفي

في خضم التوتر المتصاعد على الحدود المغربية الإسبانية، عادت قضية حرية الصحافة إلى الواجهة، لكن هذه المرة بسؤال أكثر إلحاحاً: هل تُقاس حرية الإعلام بالمعايير نفسها على جانبي الحدود؟

أمرت السلطات المغربية، اليوم السبت، طاقمي التلفزيون الإسباني العمومي TVE ووكالة الأنباء الإسبانية EFE بمغادرة مدينة الفنيدق، أثناء تغطيتهما للتحركات المرتبطة بمحاولات مهاجرين الاقتراب من الحدود مع سبتة. ووفق المعطيات التي نقلتها وسائل إعلام إسبانية، تلقى الصحافيون تعليمات بالمغادرة، مع تحذير من إمكانية سحب الاعتمادات والمعدات في حال عدم الامتثال.

القرار المغربي، بصرف النظر عن تقييمه مهنياً أو قانونياً، لا يمكن عزله عن السياق الأمني الحساس الذي عاشته المنطقة، ولا عن واقع كون الفنيدق تحولت في السنوات الأخيرة إلى نقطة ضغط رئيسية على الحدود المغربية الإسبانية، حيث تتعامل السلطات مع محاولات عبور جماعي قد تحمل أبعاداً أمنية وإنسانية وسيادية في آن واحد.

لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها ليست فقط في قرار السلطات المغربية، وإنما في المعايير التي يجري اعتمادها عند الحديث عن حرية الصحافة بين المغرب وإسبانيا.

ففي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات إعلامية وسياسية إسبانية للحديث عن حرية الصحافة عقب منع صحافيين إسبان من مواصلة عملهم في الفنيدق، كانت السلطات الإسبانية في سبتة المحتلة قد منعت، وفق المعطيات المتداولة، طاقماً تابعاً للقناة الثانية المغربية من التصوير، بل وحجزت معدات مهنية للطاقم.

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: إذا كانت حرية الصحافة مبدأً كونياً، فلماذا تصبح مقدسة عندما يتعلق الأمر بصحافيين إسبان داخل الأراضي المغربية، بينما تصبح قابلة للتقييد عندما يتعلق الأمر بصحافيين مغاربة داخل سبتة؟

لا يمكن الدفاع عن حرية الصحافة بمنطق انتقائي. ولا يمكن تحويلها إلى أداة سياسية تستخدم لإدانة طرف، بينما يتم التغاضي عن ممارسات الطرف الآخر.

والأكثر دلالة أن الحديث عن سبتة لا يتعلق بمدينة عادية بالنسبة للمغرب؛ بل بمدينة توجد تحت الاحتلال الإسباني، وفق الموقف المغربي التاريخي والثابت بشأن وضعية سبتة ومليلية والجزر المحتلة. ولذلك فإن حضور الإعلام المغربي داخلها لا يمكن اختزاله في مجرد نشاط صحفي عابر، كما أن التعامل الإسباني مع الصحافيين المغاربة يجب أن يُقرأ ضمن واقع سياسي وسيادي أكثر تعقيداً.

إن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول حرية الصحافة إلى امتياز مرتبط بالجنسية.

فالصحافي الإسباني لا ينبغي أن يتمتع بحقوق إضافية لأنه إسباني، كما أن الصحافي المغربي لا ينبغي أن يُعامل باعتباره أقل حماية لأنه يعمل في مؤسسة إعلامية مغربية.

وفي المقابل، فإن السلطات المغربية مطالبة أيضاً بتقديم توضيحات دقيقة حول أسباب منع الصحافيين الأجانب من مواصلة العمل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات إعلامية معروفة، لأن الشفافية في مثل هذه القرارات هي أفضل وسيلة لقطع الطريق أمام التأويلات والاتهامات الجاهزة.

غير أن احترام حرية الصحافة لا يعني تجاهل الاعتبارات الأمنية. فالفنيدق اليوم ليست مجرد فضاء للتغطية الإعلامية، بل منطقة حدودية تشهد تحركات لمئات المهاجرين ومحاولات للوصول إلى منطقة شديدة الحساسية، ما يجعل وجود الصحافيين في بعض النقاط أو خلال بعض العمليات الأمنية خاضعاً، بشكل طبيعي، لضوابط تفرضها ظروف الميدان.

المطلوب إذن ليس تحويل القضية إلى معركة شعارات، وإنما اعتماد المعيار نفسه على الجميع.

إذا كانت إسبانيا تريد من المغرب احترام حرية الصحافة، فعليها أن تكون مستعدة أيضاً لمراجعة الطريقة التي تتعامل بها سلطاتها مع الصحافيين المغاربة داخل سبتة المحتلة.

وإذا كانت مدريد تعتبر سبتة جزءاً من التراب الإسباني، فإن ذلك لا يمنحها حق التعامل مع الصحافة المغربية بمنطق استثنائي، ولا يلغي حقيقة أن المغرب يعتبر المدينة أرضاً مغربية محتلة، وأن قضية السيادة عليها ومليلية ليست ملفاً منتهياً بالنسبة للدولة والمجتمع المغربيين.

لقد كشفت أحداث الفنيدق مجدداً أن الحدود المغربية الإسبانية ليست مجرد خط جغرافي، بل مساحة تتقاطع فيها الهجرة والأمن والإعلام والسيادة والسياسة.

ولهذا، فإن اختزال القضية في عنوان واحد من قبيل “المغرب يقمع الصحافة” هو تبسيط مخلّ، كما أن تبرير أي تقييد للصحافة دون توضيح قانوني ومهني دقيق ليس هو الحل.

القاعدة التي يجب أن تحكم الجميع واضحة: لا ازدواجية في حرية الصحافة، ولا انتقائية في الدفاع عنها.

فمن يطالب المغرب باحترام الصحافة في الفنيدق، عليه أولاً أن يضمن للصحافي المغربي الحق نفسه في العمل داخل سبتة المحتلة.

أما تحويل حرية الصحافة إلى سلاح سياسي ضد المغرب، مع تجاهل ما يقع في الجانب الآخر من الحدود، فلن يكون دفاعاً عن حرية الإعلام، بقدر ما سيكون استمراراً لمنطق المعايير المزدوجة الذي بات مكشوفاً أمام الرأي العام.

وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم: حرية الصحافة مبدأ، وليست جنسية؛ وحقوق الصحافيين لا تتجزأ بين الفنيدق وسبتة.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *