سياسة

حين تصبح المعاناة ورقة انتخابية

جسر بريس 3 دقائق للقراءة

تشهد الساحة السياسية بالمغرب حركية متسارعة استعداداً للاستحقاقات الانتخابية البرلمانية المقبلة في شتنبر 2026، ومعها بدأت تتعدد الخطابات والأساليب في محاولة لاستمالة المواطنين وكسب ثقتهم.

هناك من اختار الدفاع عن حصيلته وبرنامجه أمام المواطنين، وهناك من اختار لغة الوعود والشعارات، ومنهم من ذهب أبعد من ذلك، فاعتمد على المال واستغلال حاجة المواطنين، وكأن الانتخابات تحولت إلى رحبة لشراء الأصوات والذمم.

والأكثر إيلاماً أن تتحول حتى مآسي المواطنين وأحزانهم إلى مناسبة للحضور الانتخابي، في حين أن الوقوف إلى جانب المواطن في محنته يفترض أن يكون التزاماً دائماً، وليس مجرد ورقة تُستعمل عندما تقترب صناديق الاقتراع.

لكن هنا يحق لنا أن نطرح سؤالاً مشروعاً:

ماذا عن الذين كانوا بالأمس في موقع المسؤولية والتدبير؟

ولنأخذ نموذجاً من إقليم الخميسات، حيث ترأست السيدة بشرى الوردي المجلس الإقليمي بأغلبية مريحة، إلى جانب اخيها جمال الوردي مستشار برلماني وعضو بالمجلس الإقليمي عن التجمع الوطني للاحرار، كان حاضراً ومؤثرا في اخته بشرى الوردي في تدبير المجلس خلال المرحلة السابقة.

هنا لا يتعلق الأمر بتصفية حسابات سياسية، وإنما بطرح أسئلة مشروعة على كل من تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام:

إذا كانت مشاكل المواطنين التي يتم الحديث عنها اليوم معروفة، وإذا كانت معاناة الساكنة حقيقية ومستمرة، فلماذا لم تتم معالجة هذه المشاكل عندما كنتم في موقع المسؤولية؟

وإذا كانت الحلول متوفرة اليوم، فلماذا لم يتم الاشتغال عليها بالأمس، عندما كانت الصلاحيات والإمكانيات والمسؤولية بين أيديكم؟

والسؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما نتابع التحولات والاصطفافات السياسية؛ فمن كان بالأمس ضمن مكونات أو داعمي تدبير معين، نجده اليوم في موقع سياسي مختلف، مع اصطفافات جديدة، ومن الطبيعي أن يتساءل المواطن:

هل تغيرت القناعات السياسية، أم تغيرت فقط مواقع الأشخاص؟

إن الانتقال من موقع المسؤولية إلى موقع الحديث عن معاناة المواطنين يفرض، قبل كل شيء، تقديم الحصيلة والإجابة عن سؤال المسؤولية.

فلا يمكن أن نكون جزءاً من التدبير عندما تسير الأمور بشكل جيد، ثم نتحول إلى مجرد متفرجين على المعاناة عندما تظهر المشاكل.

ولا يمكن أن نطالب بثقة المواطن من جديد دون أن نقدم له أولاً كشفاً واضحاً لما تحقق خلال فترة تحمل المسؤولية، وما لم يتحقق، ولماذا لم يتحقق.

أما أن تتحول الحملة الانتخابية، قبل أوانها، إلى موسم للتحسر والتذمر من أوضاع كان أصحاب الخطاب أنفسهم جزءاً من منظومة تدبيرها، فهنا يحق للمواطن أن يسأل:

أليس في الأمر خطاب مزدوج؟

أم أننا أمام محاولة لإعادة تقديم أنفسنا باعتبارنا جزءاً من الحل، بعدما كنا في موقع كان يفترض أن نساهم فيه فعلياً في صناعة الحل؟

المواطن اليوم لا يحتاج إلى من يكتشف معاناته في موسم الانتخابات.

إنه يحتاج إلى من يقول له بكل وضوح:

هذه حصيلتي، هذه مسؤولياتي، هذا ما أنجزته، وهذا ما لم أستطع إنجازه، وهذه هي الأسباب، وهذا هو البرنامج الذي أقترحه عليكم.

أما الوعود، والمال، واستغلال المآسي، وتبديل المواقع والاصطفافات، فلن تعفي أحداً من سؤال الحصيلة.

فمن تحمل المسؤولية بالأمس، عليه أن يتحمل مسؤولية الإجابة اليوم، قبل أن يطلب من المواطن أن يمنحه ثقته من جديد.

فالسياسة مسؤولية قبل أن تكون انتخابات، والمواطن ليس رقماً انتخابياً، ومعاناته ليست ورقة انتخابية، وصوته ليس سلعة في سوق المزايدات.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *