عبد الفتاح نعوم: بنكيران “أخطبوط انتخابي” والعثماني يمثل مشروعا سياسيا أكثر استراتيجية
عز الدين السريفي
تناول الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي عبد الفتاح نعوم موقع الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران، داخل المشهد السياسي والحزبي المغربي، مسلطاً الضوء على طبيعة خطابه الشعبوي، وقدرته على التأثير في الرأي العام واستثمار القضايا الوطنية والإقليمية في المعارك الانتخابية، فضلاً عن خلفيات الخلافات التي تجمعه برئيس الحكومة الأسبق سعد الدين العثماني، وانعكاساتها على مستقبل الحزب وقيادته.
واعتبر نعوم أن ابن كيران يمثل ظاهرة خطابية وسياسية متميزة، بفضل قدرته على التواصل المباشر مع الشارع واستثارة المشاعر والتفاعل مع القضايا التي تشغل الرأي العام، وهي عناصر تمنحه، بحسب تحليله، هامشاً من التأثير لا يتوفر بالدرجة نفسها لدى عدد من زعماء الأحزاب السياسية الأخرى.
ووصف المحلل السياسي ابن كيران بـ«الأخطبوط والغول الانتخابي»، في إشارة إلى قدرته على توظيف الأحداث والقضايا الوطنية والإقليمية والدولية، من القضية الفلسطينية إلى التطورات المرتبطة بتيار الإخوان المسلمين، في التعبئة السياسية وتحقيق المكاسب الانتخابية. غير أن نعوم يرى أن هذه القدرة على الحشد لا تعني بالضرورة وجود مشروع فكري واستراتيجي متكامل يتجاوز رهانات الانتخابات والحسابات السياسية الظرفية.
خلاف ابن كيران والعثماني.. صراع يتجاوز التصريحات
وفي قراءته للسجال الأخير بين ابن كيران والعثماني، شدد نعوم على أن الخلاف لا يمكن اختزاله في ردود فعل آنية أو تصريحات متبادلة، بل يعكس تراكمات واختلافات أعمق في الرؤية والتقدير السياسي، ظلت حاضرة داخل حزب العدالة والتنمية قبل أن تطفو إلى السطح في سياق النقاشات الأخيرة.
واعتبر أن الخرجة الإعلامية لعبد اللطيف وهبي شكلت مناسبة لإعادة إظهار هذه التباينات، بعدما تحولت العلاقة بين الرجلين إلى موضوع للنقاش السياسي والإعلامي، بما يكشف عن استمرار التوتر داخل الحزب بشأن طبيعة القيادة وحدود الاختلاف في تقدير القضايا السياسية الكبرى.
وفي المقابل، قدم نعوم قراءة مختلفة للمشروع السياسي الذي يمثله العثماني، معتبراً أنه يقوم على منطق الدولة الوطنية والتدرج والهدوء في تدبير الملفات السياسية، مع امتلاك تصور فكري واستراتيجي يتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة.
كما يرى أن العثماني يتمتع بقدرة على مخاطبة شرائح اجتماعية وسياسية متنوعة، بما فيها بعض التيارات اليمينية والأمازيغية، وهو ما يمنحه، وفق هذه القراءة، إمكانات للتواصل السياسي تتجاوز القواعد التقليدية لحزب العدالة والتنمية.
أما ابن كيران، فيربط نعوم أسلوبه السياسي بالتفاعل مع الأحداث والمواجهات الآنية، وبالتركيز على استثمار اللحظات السياسية لتحقيق مكاسب انتخابية وتنظيمية، معتبراً أن سعيه إلى الحد من نفوذ تيار العثماني داخل الحزب يرتبط أيضاً برغبته في الحفاظ على موقعه المركزي في توجيه القرارات والاختيارات المستقبلية للتنظيم.
الاتفاق الثلاثي يكشف حدود الخلاف السياسي
وفي ما يتعلق بالاتفاق الثلاثي الذي أعاد العلاقات بين المغرب وإسرائيل إلى طبيعتها، أشار نعوم إلى أن ابن كيران كان سيتخذ، لو كان على رأس الحكومة خلال تلك المرحلة، الموقف نفسه الذي اتخذه العثماني، مستحضراً دفاعه عن موقف المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية الذي وافق على الاتفاق.
وتطرح هذه القراءة تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين الاختلاف في الخطاب السياسي والمواقف العملية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتدبير ملفات استراتيجية ترتبط بمصالح الدولة المغربية والتزاماتها الخارجية.
كما تعيد النقاش إلى طبيعة العلاقة بين المواقف التي يتبناها قادة الأحزاب في مواقع المسؤولية، والخطاب الذي يعتمدونه لاحقاً في المعارضة أو في سياق التنافس على قيادة التنظيمات السياسية.
خلافة ابن كيران.. انتقال القيادة بشروط
وعلى مستوى مستقبل القيادة داخل حزب العدالة والتنمية، يرى نعوم أن ابن كيران يسعى إلى ترتيب البيت الداخلي وإعداد أسماء يمكن أن تتحمل المسؤولية في المرحلة المقبلة، من بينها عبد الله بوانو وإدريس الأزمي وأمينة ماء العينين.
غير أن هذا الانتقال، بحسب تحليله، يظل مرتبطاً بمدى استعداد هذه القيادات للعمل داخل الحدود السياسية والتنظيمية التي يرسمها الأمين العام، بما يطرح إشكالية حقيقية حول إمكانية تجديد النخب داخل الحزب، ومدى استعداد القيادة الحالية لتقاسم النفوذ والتأثير مع وجوه قد تمتلك طموحات سياسية مستقلة.
وفي هذا السياق، اعتبر نعوم أن ابن كيران لا يميل إلى تقاسم مركز القيادة مع شخصيات يمكن أن تنافسه على التأثير في القرار الحزبي، مستحضراً تجربته السابقة مع عبد العزيز أفتاتي باعتبارها نموذجاً للتوتر الذي قد ينشأ عندما يبرز داخل التنظيم صوت يسعى إلى بناء موقع مستقل عن القيادة.
ويكشف هذا المعطى، وفق القراءة ذاتها، عن مفارقة تواجه الحزب: فمن جهة، تبرز الحاجة إلى تجديد قياداته وضخ دماء جديدة في هياكله، ومن جهة أخرى، يظل حضور الأمين العام وتأثيره الشخصي عاملاً أساسياً في تحديد طبيعة هذا التجديد وحدوده.
وهبي وإعادة فتح الخلافات داخل العدالة والتنمية
أما بخصوص تدخل عبد اللطيف وهبي في ملف العلاقة بين ابن كيران والعثماني، فقد قرأ نعوم هذه الخطوة باعتبارها مشاغلة سياسية من جانب حزب الأصالة والمعاصرة، هدفها إعادة فتح الخلافات الداخلية لحزب العدالة والتنمية وإبقاؤها في واجهة النقاش العمومي.
ويرى هذا التحليل أن إثارة مثل هذه الملفات في سياق المشاورات المرتبطة بتشكيل الحكومة قد تسهم في تشتيت انتباه القيادات الحزبية وإشغال الرأي العام بالصراعات التنظيمية، بدلاً من التركيز على البرامج السياسية والرهانات الاجتماعية والاقتصادية المطروحة أمام الحكومة المقبلة.
وبذلك، لا يتعلق الأمر فقط بخلاف شخصي بين قياديين سابقين في الحزب، بل بصراع أوسع حول موقع العدالة والتنمية في الخريطة السياسية، وقدرته على استعادة حضوره الانتخابي، وطبيعة الخطاب الذي سيعتمده لمواجهة منافسيه.
قوة الخطاب لا تحسم وحدها مستقبل الحزب
ورغم الانتقادات التي وجهها نعوم إلى طبيعة الممارسة السياسية لابن كيران، فإنه يقر بقدرته المستمرة على ملء جانب من الفراغ الخطابي في المشهد الحزبي المغربي، في ظل ما يعتبره محدودية في الأداء الحجاجي لدى عدد من قيادات الأحزاب المنافسة.
وتكشف هذه الخلاصة عن أحد أبرز التحديات التي تواجه الحياة الحزبية بالمغرب، والمتمثل في التفاوت بين القدرة على استقطاب الجمهور والتأثير في مشاعره، وبين امتلاك مشروع سياسي واضح وقابل للتنفيذ على المدى البعيد.
ففي الوقت الذي يظل فيه ابن كيران قادراً على تحريك النقاش العام واستثمار اللحظات السياسية، يطرح الصراع داخل حزب العدالة والتنمية أسئلة حول مستقبل القيادة والتجديد التنظيمي، ومدى قدرة الحزب على الانتقال من مركزية الزعيم إلى بناء مؤسسات داخلية قادرة على تدبير الاختلاف وإنتاج قيادات جديدة.
وبين خطاب يستمد قوته من الحضور الجماهيري والتفاعل مع الأحداث، ورؤية تراهن على التدرج والاستراتيجية، تبدو معركة المستقبل داخل العدالة والتنمية مرتبطة ليس فقط بمن سيتولى القيادة، بل أيضاً بطبيعة المشروع السياسي الذي سيختاره الحزب لاستعادة موقعه في المشهد المغربي.

