سياسة

الملك محمد السادس يعطي درسا في الدبلوماسية.. الشراكة مع إسبانيا لا تعني الوصاية على القرار المغربي

جسر بريس 4 دقائق للقراءة

أكد الخطاب الملكي من جديد أن العلاقات المغربية الإسبانية، مهما بلغت أهميتها الاستراتيجية، لا يمكن أن تقوم إلا على أساس الاحترام المتبادل والالتزام المشترك، بعيداً عن منطق الضغط أو محاولة التأثير في القرارات السيادية للمملكة. وهي رسالة تحمل أبعاداً دبلوماسية واضحة، مفادها أن المغرب يختار شركاءه وفق مصالحه الوطنية، ويدبر علاقاته الخارجية انطلاقاً من ثوابته وخياراته المستقلة.

وفي هذا السياق، يعطي الملك محمد السادس درساً في مفهوم الشراكة الحقيقية، التي لا تعني خضوع طرف لإرادة الطرف الآخر، ولا تسمح بتحويل المصالح المشتركة إلى وسيلة للضغط أو فرض الشروط. فالشراكة بين الدول تقوم على التوازن والوضوح والوفاء بالالتزامات، وليس على منطق الوصاية أو الإملاءات.

المغرب وإسبانيا.. شراكة استراتيجية لا تقبل منطق الضغط

تكتسي العلاقات المغربية الإسبانية أهمية خاصة بالنظر إلى الروابط الجغرافية والاقتصادية والأمنية والإنسانية التي تجمع البلدين، فضلاً عن التعاون في قضايا الهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة والتبادل التجاري. غير أن قوة هذه العلاقات لا تقاس فقط بحجم المصالح المتبادلة، بل أيضاً بمدى احترام كل طرف لسيادة الآخر والتزامه بقواعد التعاون المسؤول.

ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة الملكية لا تعني إعلان القطيعة مع إسبانيا، ولا الدعوة إلى التصعيد الدبلوماسي، بقدر ما تعكس توجهاً نحو مراجعة الاختلالات التي قد تعتري نموذج التعاون القائم، والعمل على تصحيحها بما يضمن استمرارية الشراكة على أسس أكثر توازناً ووضوحاً.

فالمغرب، الذي راكم تجربة مهمة في تدبير علاقاته الدولية، يدرك أن الشراكات الاستراتيجية لا يمكن أن تستمر بصورة سليمة إذا تحولت إلى مجال لتبادل الاتهامات أو ممارسة الضغوط السياسية والإعلامية. كما أن المصالح المشتركة تفرض على الطرفين اعتماد الحوار المسؤول، والابتعاد عن التصريحات التي قد تسيء إلى الثقة المتبادلة.

ملف الهجرة.. المسؤولية المشتركة تقتضي معالجة أسباب الاختلال

يظل ملف الهجرة من أبرز القضايا التي تختبر متانة التعاون المغربي الإسباني، بالنظر إلى موقع المغرب الجغرافي ودوره في تدبير تدفقات الهجرة ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب.

لكن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تقتصر على مطالبة المغرب بتحمل مزيد من المسؤوليات الأمنية والميدانية، من دون النظر إلى جميع الجوانب القانونية والإدارية والإنسانية المرتبطة به، أو تجاهل الظروف التي تؤدي إلى تعقيد بعض الحالات.

فالتعاون الفعلي يقتضي تشخيصاً مشتركاً للمشكلات، واحتراماً للاتفاقات والإجراءات المعمول بها، وتنسيقاً مستمراً بين المؤسسات المختصة في البلدين. كما يتطلب الابتعاد عن توظيف ملف الهجرة في التجاذبات السياسية الداخلية، لأن ذلك من شأنه إضعاف الثقة وإرباك التعاون الذي يحتاج إليه الطرفان.

وفي هذا الإطار، فإن أي اختلال قانوني أو إداري يثبت ارتباطه بملف معين ينبغي أن يعالج عبر القنوات المختصة، على أساس المسؤولية المشتركة واحترام القانون، لا من خلال تبادل الاتهامات أو تحميل طرف واحد كامل المسؤولية.

رسالة إلى بعض الأوساط الإسبانية: القرار المغربي شأن سيادي

إن جوهر الرسالة الملكية يتمثل في التأكيد على أن العلاقات مع الشركاء، مهما كانت أهميتها، لا تمنح أي طرف حق التدخل في الخيارات السيادية للمملكة أو ممارسة الضغط عليها لتغيير مواقفها.

فالمغرب لا يرفض الحوار، بل يتمسك به باعتباره الوسيلة الأنجع لحل الخلافات وتطوير العلاقات. ولا يرفض الشراكة، بل يدعو إلى جعلها أكثر توازناً وفعالية. غير أن الحوار والشراكة يظلان مشروطين باحترام متبادل يضمن لكل دولة حقها في اتخاذ قراراتها وفق مصالحها الوطنية.

كما أن الرسالة موجهة إلى مختلف الفاعلين السياسيين والإعلاميين الذين قد يتعاملون مع العلاقة بين البلدين بمنطق المزايدة أو التصعيد، إذ إن العلاقات الاستراتيجية لا ينبغي أن تكون رهينة تصريحات ظرفية أو حسابات سياسية ضيقة.

مراجعة نموذج التعاون بدل القطيعة

لا تكمن أهمية الموقف المغربي في رفع سقف الخطاب، وإنما في تحديد قواعد واضحة للتعاون المستقبلي. فالمطلوب هو الانتقال من شراكة تكتفي بتدبير الأزمات عند وقوعها إلى شراكة استباقية تقوم على التخطيط المشترك، وتحديد المسؤوليات، واحترام الالتزامات، ومعالجة الاختلالات بصورة مؤسساتية.

وبذلك، فإن الدرس الدبلوماسي الذي يحمله الخطاب الملكي يتمثل في أن العلاقات القوية لا تعني التنازل عن السيادة، وأن التعاون المثمر لا يقوم على الضغط، بل على الثقة والتكافؤ والاحترام المتبادل.

إن المغرب يمد يده إلى شراكة استراتيجية مع إسبانيا، لكنه يريدها شراكة بين دولتين تحترم كل منهما الأخرى، وتدرك أن المصالح المشتركة لا تتحقق بالإملاءات، وإنما بالحوار الصريح والالتزام المسؤول. فذلك هو الطريق الذي يحفظ متانة العلاقات ويمنحها القدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *