الصحراء المغربية

الصحراء المغربية.. ساعة الحقيقة تقترب ونظام الجزائر أمام مسؤولياته

جسر بريس 5 دقائق للقراءة

عز الدين السريفي

دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة دبلوماسية دقيقة، في ظل تنامي الزخم الدولي حول مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، باعتبارها مقترحا جادا وذا مصداقية، يقوم على تمكين سكان الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونهم المحلية في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.

وقد تعزز موقع المبادرة المغربية على الساحة الدولية خلال السنوات الأخيرة، مع اتساع دائرة الدول التي تنظر إليها باعتبارها أساسا واقعيا للتوصل إلى تسوية سياسية للنزاع. كما شكل اعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025 محطة مفصلية في مسار القضية، بعدما جعل المقترح المغربي منطلقا للمفاوضات الرامية إلى الوصول إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه.

وفي هذا السياق، يكتسي التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الصادر في فاتح أكتوبر 2026، أهمية خاصة، بالنظر إلى ما يتضمنه من معطيات حول استئناف الاتصالات والمفاوضات برعاية أمريكية، بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا.

غير أن مشاركة الجزائر في هذا المسار لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مشاركة لدولة مجاورة، بالنظر إلى حجم ارتباطها السياسي والعسكري والدبلوماسي بجبهة البوليساريو منذ عقود. فاستمرار الدعم الجزائري للجبهة واحتضان قياداتها فوق التراب الجزائري، إضافة إلى دور الجزائر في المحافل الإقليمية والدولية، يجعلها طرفا مؤثرا بشكل مباشر في مسار النزاع، وبالتالي طرفا أساسيا في مسؤولية الوصول إلى تسوية نهائية.

الجزائر.. من دعم النزاع إلى مسؤولية الحل

على مدى عقود، ساهم استمرار الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو في إبقاء النزاع مفتوحا، رغم تعدد المبادرات الأممية والجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي.

وبالنظر إلى هذه المعطيات، فإن المرحلة الحالية تفرض على الجزائر الانتقال من منطق إدارة النزاع إلى منطق المساهمة الفعلية في حله. فالاستمرار في دعم مواقف جامدة أو التعامل مع القضية باعتبارها ورقة في الصراع الإقليمي لن يؤدي سوى إلى إطالة أمد الأزمة، وتعطيل بناء فضاء مغاربي قادر على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المتزايدة.

وتزداد مسؤولية الجزائر وضوحا مع عودة المفاوضات إلى الواجهة. فإذا كانت الجزائر حاضرة على طاولة النقاش، فإن المطلوب منها، قبل أي طرف آخر، تقديم موقف سياسي واضح بشأن مستقبل العملية التفاوضية، وعدم الاكتفاء بدور المراقب أو الوسيط، بينما يستمر الدعم السياسي والعسكري واللوجستي لجبهة البوليساريو.

مفاوضات جديدة.. وفرصة لإنهاء الجمود

وتشير المعطيات المرتبطة بالتحركات الدبلوماسية خلال فبراير 2026، خصوصا في مدريد وواشنطن، إلى نقاش قضايا متعددة مرتبطة بأي تسوية محتملة، من بينها الترتيبات الانتقالية، والموارد، والمصالحة، والأمن، ونزع السلاح، والتسريح وإعادة الإدماج، فضلا عن الضمانات الدولية الممكنة لتنفيذ أي اتفاق مستقبلي.

لكن من المهم التمييز بين ما يتم تداوله في إطار المشاورات والمفاوضات وبين ما تم اعتماده رسميا. فطرح صيغة مثل “المجلس الانتقالي”، على سبيل المثال، لا يعني أنها أصبحت اتفاقا نهائيا، وإنما تعكس طبيعة النقاشات التي يمكن أن ترافق البحث عن صيغة عملية للتسوية.

وهنا تحديدا تبرز مسؤولية الجزائر. فنجاح أي ترتيبات مستقبلية لن يكون ممكنا في ظل استمرار منطق المواجهة أو محاولة فرض تصورات أحادية الجانب. كما أن أي اتفاق يحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة وإلى التزام حقيقي من الأطراف المؤثرة، وفي مقدمتها الجزائر.

الحكم الذاتي.. مقترح واقعي في مواجهة عقود الجمود

في المقابل، يواصل المغرب الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الذي يراه قادرا على توفير حل سياسي واقعي ودائم للنزاع، مع الحفاظ على السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة، ومنح سكان الصحراء صلاحيات واسعة في تدبير شؤونهم المحلية.

كما يعزز المغرب هذا الطرح من خلال المشاريع التنموية الكبرى التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والدبلوماسية مع إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، بما جعل قضية الصحراء مرتبطة بشكل متزايد بمستقبل الاستقرار والتكامل الاقتصادي في المنطقة.

وفي المقابل، فإن استمرار النزاع لا ينعكس فقط على العلاقات المغربية الجزائرية، وإنما يعيق أيضا فرص بناء فضاء مغاربي متكامل، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات متزايدة مرتبطة بالأمن والهجرة والطاقة والإرهاب والتنمية.

مخيمات تندوف.. الوجه الإنساني للأزمة

ولا يمكن فصل المسار السياسي عن البعد الإنساني للنزاع، خصوصا الوضع في مخيمات تندوف، حيث تستمر معاناة آلاف اللاجئين منذ عقود.

ومن هنا، فإن إنهاء النزاع لا ينبغي أن يكون مجرد هدف دبلوماسي، بل ضرورة إنسانية وسياسية تقتضي وضع حد لحالة الجمود التي استمرت لعقود، وفتح الطريق أمام تسوية تسمح بعودة الاستقرار ولمّ شمل الأسر وإنهاء حالة الانتظار الطويل.

وتتحمل الجزائر، بحكم احتضانها لهذه المخيمات ودورها في دعم جبهة البوليساريو، مسؤولية خاصة في ضمان احترام البعد الإنساني وعدم تحويل معاناة السكان إلى ورقة سياسية في الصراع الإقليمي.

مرحلة الحسم.. والكرة في ملعب الجزائر

إن المستجدات التي حملها تقرير أنطونيو غوتيريش والتحركات المرتبطة بالقرار 2797 تضع القضية أمام مرحلة مختلفة عن المراحل السابقة. فالمطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج المواقف ذاتها، وإنما الانتقال إلى مفاوضات جدية تبحث عن تسوية قابلة للتنفيذ.

وفي هذه المرحلة، تبدو الجزائر أمام اختبار سياسي حقيقي: إما الاستمرار في المقاربة التي ساهمت في إطالة النزاع، أو الانخراط بجدية في مسار سياسي يتيح الوصول إلى حل واقعي ودائم.

فالمغرب أعلن بوضوح أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل مرتكزا أساسيا للحل الذي يدافع عنه، بينما يتطلب نجاح المسار الأممي إرادة سياسية من جميع الأطراف.

وبالتالي، فإن المسؤولية الجزائرية اليوم لم تعد محل نقاش سياسي فحسب، بل أصبحت جزءا أساسيا من معادلة الحل. فكلما اقتربت الجزائر من منطق التسوية والحوار، اقتربت المنطقة من طي صفحة نزاع استمر لعقود. أما استمرار سياسة الدعم والمواجهة، فلن يؤدي إلا إلى تمديد أزمة أثبتت التجربة أن الرابح الأكبر فيها ليس شعوب المنطقة، وإنما الجمود والتوتر وعدم الاستقرار.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *