سياسة

أمين صوصي علوي: الرسالة الملكية إلى السعودية تتجاوز التضامن الدبلوماسي وترسم رؤية مغربية لأمن الخليج

جسر بريس 4 دقائق للقراءة

في أعقاب الاعتداءات المتكررة التي استهدفت المملكة العربية السعودية، وما رافقها من تهديدات طالت منشآت مدنية واقتصادية ومواقع حيوية، فضلاً عن محاولات المساس بأمن الأماكن المقدسة، وجّه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، برقيتين إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، عبّر فيهما عن تضامن المغرب الكامل مع المملكة العربية السعودية.

وأكد جلالة الملك، في هذا السياق، أن أمن واستقرار المملكة العربية السعودية، شأنه شأن أمن دول مجلس التعاون الخليجي، يرتبط بشكل مباشر بأمن المملكة المغربية ومصالحها الاستراتيجية، في موقف يعكس، بحسب قراءة الدكتور أمين صوصي علوي، الباحث في الإعلام والقضايا الجيوسياسية، رؤية تتجاوز حدود التضامن الدبلوماسي التقليدي.

ويرى صوصي علوي أن أهمية البرقيتين تكمن في كونهما جمعتا بين أبعاد دينية وتاريخية وقانونية واستراتيجية، ضمن تصور متكامل لطبيعة التهديدات التي تواجه السعودية والمنطقة.

ويبرز البعد الديني، وفق الباحث، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم الموقف المغربي، خصوصاً في ظل ورود التهديدات المرتبطة بمكة المكرمة والمدينة المنورة. فالأمر، بحسب قراءته، لا يتعلق فقط بأمن دولة شقيقة، وإنما بأمن مقدسات تحظى بمكانة مركزية لدى المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وهو ما يمنح الموقف المغربي بعداً يتجاوز الحسابات السياسية المباشرة.

وفي السياق ذاته، يتوقف صوصي علوي عند طبيعة اللغة التي حملتها الرسالة الملكية في توصيف الاعتداءات والجهات التي تقف وراءها، مع الإشارة إلى شبكات التمويل والتسليح والدعم. ويرى أن الرباط تنظر إلى هذه التهديدات باعتبارها جزءاً من بيئة أمنية إقليمية أوسع، تتداخل فيها الميليشيات المسلحة مع أدوار داعمة، بما يجعل انعكاساتها تتجاوز حدود الدول التي تنشط فيها.

القانون الدولي حاضر في المقاربة المغربية

إلى جانب البعدين الديني والسياسي، يلفت الباحث إلى حضور المرجعية القانونية في الموقف الملكي، من خلال استحضار قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

ويقرأ صوصي علوي هذا المعطى باعتباره مؤشراً على أن المغرب لا يتعامل مع الاعتداءات من زاوية سياسية فقط، بل يربطها أيضاً بمقتضيات القانون الدولي، خصوصاً ما يتعلق بحماية المدنيين والمنشآت، ووقف أعمال العنف، واحترام أمن الملاحة الدولية.

وبذلك، تصبح المسؤولية عن هذه الأفعال، وفق هذه القراءة، مرتبطة كذلك بالالتزامات التي تفرضها قواعد الشرعية الدولية، وليس فقط بالتوازنات السياسية والأمنية القائمة في المنطقة.

التاريخ.. رصيد يتحول إلى موقف سياسي

أما البعد التاريخي، فيرتبط بطبيعة العلاقات التي تجمع المغرب بالمملكة العربية السعودية، والتي تستند إلى روابط متينة بين البلدين والشعبين والقيادتين.

غير أن استحضار هذا الرصيد، وفق صوصي علوي، لا يأتي باعتباره مجرد خلفية للعلاقات الثنائية، بل يندمج في موقف سياسي راهن يعكس استمرار منطق التضامن والتنسيق بين المملكتين في القضايا المرتبطة بأمن المنطقة واستقرارها.

أمن الخليج جزء من الأمن المغربي

ويرى الباحث أن البعد الاستراتيجي يظل من أكثر العناصر دلالة في البرقيتين، خصوصاً مع تأكيد جلالة الملك أن «أمن واستقرار المملكة العربية السعودية، شأنه شأن أمن باقي دول مجلس التعاون الخليجي، هو جزء لا يتجزأ من أمن المملكة المغربية».

ويعتبر صوصي علوي أن هذه العبارة تنقل الموقف المغربي من مجرد إعلان التضامن مع دولة شقيقة إلى مستوى أكثر وضوحاً في تحديد مفهوم المصالح الأمنية المشتركة، إذ تؤكد أن ما يهدد استقرار الخليج لا تنظر إليه الرباط باعتباره شأناً بعيداً أو منفصلاً عن أمن المغرب.

وتكتسب هذه المقاربة، وفق التحليل ذاته، أهمية إضافية في ظل التهديدات التي قد تطال الممرات البحرية الحيوية والمنشآت الاقتصادية، بالنظر إلى ما يمكن أن تخلفه من تداعيات على حركة التجارة وسلاسل الإمداد والاقتصاد الإقليمي والدولي.

ومن هذا المنظور، يرى صوصي علوي أن مواجهة هذه المخاطر لا يمكن أن تبقى محصورة في إطار ثنائي، وإنما تستدعي تنسيقاً أوسع بين الدول المعنية بأمن المنطقة واستقرارها، خاصة عندما تتجاوز التداعيات الحدود الوطنية وتمس مصالح استراتيجية مشتركة.

رسالة متعددة الأبعاد

وبحسب هذه القراءة، فإن البرقيتين الملكيتين لا تقفان عند حدود إدانة الاعتداءات أو التعبير عن التضامن مع المملكة العربية السعودية، بل تحملان تصوراً أوسع لموقع المغرب من التحولات الأمنية التي تشهدها المنطقة.

فالموقف المغربي، كما يقدمه صوصي علوي، يجمع بين الاعتبارات الدينية المرتبطة بحماية المقدسات، والروابط التاريخية التي تجمع المملكتين، والمرجعية القانونية الدولية، فضلاً عن المصالح الاستراتيجية المرتبطة بأمن الخليج والممرات الحيوية والاقتصاد الإقليمي.

و تعكس البرقيتان، وفق هذا التحليل، رؤية مغربية تعتبر أن استقرار المملكة العربية السعودية ودول الخليج لا يمكن فصله عن منظومة أمن أوسع، تتقاطع فيها الاعتبارات الدينية والتاريخية والاستراتيجية والقانونية، بما يجعل التضامن المغربي مع الرياض جزءاً من تصور أشمل للعلاقات الإقليمية ومصالح المملكة المغربية.

Ji

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *